مارلين يونس: إنَّ مستقبل العلم هو مستقبل الإنسان

الباحثة اللبنانية تحوز شهادة الماجستير في علم الآثار كما تستمدّ من تذوقها الموسيقي رؤية أوضح بالمفاهيم والأنساق التي ينتظمُ عليها المعمار الفكري والإدراك لأهمية عنصر المرح في التناول المعرفي.

الشغف بالمعرفة الفلسفية لم يمنعها من الانفتاح على مجالات مُتعددة، فهي اكتسبت من مراسها في الحقل الفلسفي مرونة الحركة والدراية في تطويع ما يتراكم  لديها من الانطباعات لصياغة أفكار جديدة، إضافة إلى تخصصها في التدريس الفلسفي، إذ حصلت أخيراً على لقب البروفيسورة. حازت الباحثة اللبنانية مارلين يونس شهادة الماجستير في علم الآثار كما استمدت من تذوقها الموسيقي رؤية أوضح بالمفاهيم والأنساق التي ينتظمُ عليها المعمار الفكري من جانب والإدراك لأهمية عنصر المرح في التناول المعرفي، من جانب آخر بالطبع إنَّ ثقافتها الموسيقية زادتها إدراكاً بدور عنصر التناغم في إضفاء البعد الجمالي إلى المفاهيم الكاشفة للمنهج الفلسفي. يربط هيغل الحراك الفلسفي بالمعطيات الراهنة التي توحي بأنَّ ماهو سائد يتخذُ طابعاً مصيرياً وبالتالي لايكون التفكير أبعد من الواقع القائم إلا ضرباً في الحديد البارد غير أنَّ النشاط الفلسفي، يعيد الانتباه إلى الذهن ويلفت النظر نحو الزاوية المتواربة في المشهد، وذلك بداية لتداعي الهياكل الجامدة عن تكوينها الأكاديمي وما يمكنُ أن تقدمه الفلسفة في عصر عنوانه التشت، كان لنا حوار مع صاحبة "جانكلفيتش محاكمة أخلاقية في هذي جمالي" واللافت فيما تقوله يونس أنها ترفضُ انفراد اللهجة السوداوية برواية الواقع.

أجرى الحوار: كه يلان محمد

1- حديثاً حصلتِ على رتبة البرفيسور في الفلسفة ماذا يعني لك هذا اللقب الأكاديمي؟

هذا اللقب هو تقدير أو تتويج لمسيرة من الإنجازات البحثية في مجال اختصاصي في الفلسفة وكلنا نعلم أنّ البحث في المسائل الفلسفيّة يتجاوز حدود الاختصاص. وهو رافد معرفي يعمّق التجربة الكتابية ويمنحها أبعادًا معرفيّة جديدة وهو بالنسبة إليّ مسؤوليّة وأمانة وإقرار بمهابة العلم ووقاره وهيبته.. هذه الرتبة تتطلّب منّي شجاعة تامة للتخلّي عن الأمان الفكري.. وهنا أستذكر هذه الحكمة الأدبية: "العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك" . وسأحاول أن أحمي وأحصّن هذه الرتبة باختصصاتي المتعددة.

2- قد يكونُ الخطرُ على حسن تدبر الإنسان للحياة يتمثلُ في حملات التضليل والخداع التي تواجه العقل في العصر المعلوماتي ماذا يمكن للفلسفة أن تقدمه في هذه الفوضى؟

التقابل بين الرأسمالية الرقمية والرأسماليّة الواقعية الحكمية ليس بجديد. إذا راجعنا المهمات المتعلقة بالفلسفة فهي ابنة العقل تخاطبه وتتقصّى في أروقته المعرفيّة. مهمتها "التفكير في التفكير" وهي مناصرة للبرهان ومشكّكة في البديهيات تواجه التضليل من خلال الابتعاد عن القوالب المعلبة والجاهزة .. وهي السباقة في كشف التمثّل المعرفي ونزع الزيف عن الحقائق والتنبيه من جموح المشاعر ...  وهذه الأمور ليست بجديدة. ولا ننسى أفلاطون وأمثولة الكهف وبيكون والأوهام الأربعة وبودريارد وال (hyperreality) التلابس بين الواقع والخيال في كتابه (simulacre et simulation) وتشومسكي وكيفيّة صناعة "الرضا الشعبي ". بالإضافة إلى تحذير الفلاسفة وخوفهم من مصائب اختراق عقول البشر وتضليلهم إلى حدّ يصل فيه الإنسان إلى عدم التمييز بين الواقع والوهم أو بين الحقيقة والكذب.

3- نشأ العلمُ في حاضنة الفلسفة ولكن انفصل عنها واستقام مستقلا عن الوصاية فاصبح الخطاب العلمي مهيمنا في الحاضر مقابل هذا الخط التصاعدي للعلم كيف يبدو لك الحركة الفلسفية؟

هذه عمارة بديهية متكاملة بين باني المكان وحامي الكيان لا أستطيع الفصل أو التغيير في هذه المشهدية. بين العلم البراغماتي والفلسفة البراكسيسية، من الطبيعي أن ينسلك العلم في وتيرة تصاعدية لكي يخدم الإنسان. هذا التباين في شكل الخدمة لا يمثل تمايزًا بقدر ما يمثّل تقابلا مثاليًّا وضروريًّا. الصيغة المتوازنة تتجلى في إبقاء حالة المعرفة في اضطراد تام ومتوازن بين ماذا نعرف من نسبية الحقائق وكيف نشعر حيالها.. لا يجب أن نغفل عن فكرة أساسية هي أنّ مستقبل العلم هو مستقبل الإنسان، أعني بذلك الذات الانسانية في تجليين اثنين: الاندفاعة الإجرائية لهندسة عمارة العالم، وتمديد الآفاق والحزم النقدي لرعاية البشر وحمايتهم. وإذا اعترفنا بأنّ الفلسفة هي نبض الروح الإنسانية ومعقلها، فما نبض القيمة والأخلاق والضمير سوى نطفات حية موقّعة بوتيرة لا تمتثل لمقاييس السرعة الجامحة في العلم.

4- يرى بعضُ الفلاسفة بأنَّ الإنسان قد قطع حبله السري مع اللاهوت في مرحلة الحداثة وبالتالي لم يعد في حالة مديونية للمتعالي برأيكِ هل أدى ذلك إلى أزمة في المعنى؟

هذا يعود إلى مسألة ماذا نريد من الوجود؟ هل نريد الحرب أم السلام؟ وكيف نتخلص من ثقل شبح الموت الذي يطاردنا؟ هذه العناوين الكبرى تندرج تحتها عناوين أخرى ، لنأخذ الحرية الآمنة وكيفية سعي الإنسان إليها. أوّل خطوة يقدم عليها تكمن في عمليّة إسقاط التجاوز في الحلوليّة  (transcendence dans l’immanence) بدلا من إرساء مفاهيم عالية.

أن تفكر فهذا يعني بماذا عليك أن تفكر... من شأن العقل أن يدبّر أفعال الإنسان الدنيويّة ومن طبيعته أن ينمو ويتطوّر. وكلما طال عمر الإنسان ازدادت حكمته في التدبير والتسيير لكن العقل معرّض لجميع أنواع النقص والضعف. إذا أحبّ الإنسان أن يختار (sotériologie humaniste) الديانة الانسانية و(pensée élargie) يجب أن يكون الهدف المنشود منها السعي لتوصيل فكرة حكمة الحب. وهذه اللفتة إلى عالم الآخر والحلول فيه أحيانًا يجب أن يصبح شرطًا محايثًا للحياة.. وهذا الحب الذي نعتبره من المنظور المقدّس مرادفًا للمعرفة (connaitre veut dire aimer) بإمكانه أن يقرن فيه المسلك الديني بالمسلك الدنيوي.  من مهام العقل أن يستخدم الذكاء والفطنة كقاعدة ضرورية لمنح معنى للأحداث بهدف الوصول إلى حالة من الطمأنينة أو السكينة (ataraxie). الفلسفة هي ديانة طبيعية تقتصر على إنقاذ الإنسان من مخاوفه من خلال عقيدة الخلاص تريد حقيقة حاملة لمعنى قيمي (axiologique) سواء أكان أخلاقيا، جماليًا أو دينيًا. وهذا يمكن أن نسمّيه "ذكاء الضرورة". وهي تساعد من خلال عماراتها: النظرية والأخلاقية وعقيدة الخلاص. على الوصول إلى السلام.

نحن نعلم أنّ الحضور المعرفي يركز على الذات المفكرة لدرجة إهمال موضوع تفكرها، وهذا الحضور المعرفي يقابله الحضور الدفاعي الذي يشدّد على قصور الإنسان وحاجته إلى الله. مع العلم أنّ ما هو متاح لنا في هذا العالم هو غير كاف لمواجهة اللامعقول وإذا سقط التمني والوعد والعزاء والأمل (المرجأ دائمًا) تسقط معه وثبة الاندفاعة الحيّة لذاكرة الحياة.

5- يرى ألدوس هكسلي بأنَّ الإنسان يعاني من شهية لامُتناهية للتشتت، كيف تفهمين هذه الحالة في الطبيعة البشرية فلسفياً؟

نحن مصابون بكلّ أنواع التشتّت الذهني والكياني أيضًا. وما يسميه هوكسلي الخطيئة الأصليّة للعقل والذي يندرج ضمن المحفّزات الإلهائية والعبودية الطوعية للمتع والترفيه ما هو سوى الهروب من الواقع المؤلم والضاغط  المحكوم به.  

حتى الإفراط في التفكير مشكلة، والهروب من التفكير الذاتي بات مشكلة أيضًا. أعطني واقعًا جديدًا لألغي حالة التشتّت أعطني مآلات لتسكين الواقع الوجودي المسطّر بالخوف والملل والألم.

عندي سؤال لماذا نتغنى بهذه التصدّعات الفكرية أو بما نسمّيه الشلل الفكري؟ فلنبحث عن مآلات أخرى أذكى منها تريح الإنسان ولا تستعبده. التشتّت سيف ذو حدّين ذكرت الوجه السلبي منه والآن سأظهر الوجه الإبداعي النافذ على اللامنظور واللامقروء، هذا الانتباه غير المباشر أو الاشراقي المتحرّر من ثقل المادة ومن ثقل الأنا هو شكل من أشكال البراءة المعرفية المشروطة بالحب.