ما هي الحكومات التي لا تريد الخير للعراق؟
يقع العراق في قلب منطقة تتصارع فيها المصالح الإقليمية والدولية، حيث تسعى كل دولة إلى ضمان حصة أو نفوذ أو مكسب على حساب استقرار العراق وأمنه وسيادته. والأخطر من ذلك أنّ الدولة العراقية نفسها تعاني من إخفاق بنيوي يجعلها عاجزة عن الدفاع عن مصالحها أو مواجهة الضغوط الخارجية، وبذلك يصبح الضرر القادم من الداخل أكثر خطورة من الأضرار القادمة من الخارج.
ولا بد من قراءة موضوعية تستند إلى الوقائع والمصالح والتحولات التاريخية، وتحليل أسباب مواقف كل حكومة من تلك الحكومات التي لا تريد الخير للعراق وتؤثر في مشهده بصورة مباشرة:
أولاً: الحكومة الإيرانية
تعد إيران اللاعب الأكثر تأثيراً في الساحة العراقية عبر بناء شبكة نفوذ سياسية واقتصادية وأمنية، هدفها الأساس إبقاء العراق ضعيفاً وتابعاً. وتعود أسباب هذا الموقف إلى:
الهيمنة الاقتصادية: فالعراق سوق حيوية تعتمد عليها إيران لتصريف منتجاتها وتجاوز العقوبات المفروضة عليها. ومن مصلحة طهران بقاء حاجة العراق للكهرباء والغاز، لأن ذلك يمنحها نفوذاً وضغطاً مستمراً.
الهيمنة السياسية: إذ شُكِّلت حكومات عراقية متعاقبة برضا طهران أو بضغط منها، مما جعل القرار العراقي مرتهناً في محطات مصيرية.
الهيمنة الأمنية: فوجود الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران جعل العراق ساحة مفتوحة للتصفيات والاشتباكات بين مشاريع خارجية، وليس بين قوى وطنية.
إضعاف العراق كاستراتيجية دائمة: لأن عراقاً قوياً اقتصادياً وسياسياً يشكّل منافساً حقيقياً لإيران، ولهذا تعمل طهران على إبقائه في حالة هشاشة دائمة.
ثانياً: الحكومة الكويتية
رغم العلاقات الرسمية الهادئة، فإن الكويت تنظر إلى العراق من زاوية تاريخية وحسابات أمنية طويلة الأمد. ويتأثر موقفها بـ:
القلق الاستراتيجي: فغزو 1990 بقي جرحاً في الذاكرة الكويتية، مما يجعلها تتحفّظ على أي نهوض عراقي محتمل.
ملفات النفط والحدود: إذ تعكس النزاعات حول بعض الحقول النفطية المشتركة تضارباً واضحاً في المصالح، وفي كثير من الأحيان تميل هذه المصالح ضد العراق.
ملف التعويضات: فقد استثمرت الكويت نفوذها الدولي لإبقاء العراق تحت وطأة الالتزامات المالية لسنوات طويلة، حتى بعد تغيّر الظروف السياسية.
ثالثاً: الحكومة الإسرائيلية
لا تنظر الحكومة الإسرائيلية إلى العراق من زاوية عداء مباشر اليوم، لكنها ترى فيه وفي أي دولة عربية كبيرة ومستقرة تهديداً استراتيجياً طويل الأمد. ويعود ذلك إلى:
توازن القوى: فوجود عراق قوي يعني قوة للعرب وارتفاعاً في مستوى التحديات الأمنية لإسرائيل.
الذاكرة التاريخية: إذ شارك العراق في الحروب ضد إسرائيل ودعم القضية الفلسطينية ورفض التطبيع.
الموقع الجيوسياسي: حيث يشكل العراق مفصلاً يربط الشام بالخليج العربي، وأي قوة عراقية تستعيد موقعها قد تغيّر موازين المنطقة.
رابعاً: الحكومة العراقية!!
الحكومة العراقية لا تعادي العراق بنية مسبقة، لكنها تضر به ضرراً بالغاً عبر منظومة كاملة من الفشل البنيوي والفساد والتبعية. وهذا أخطر بكثير من مواقف أي دولة خارجية أخرى.
ما هو الإخفاق البنيوي؟ ولماذا هو أخطر من العداء الخارجي؟
الإخفاق البنيوي يعني أن الخلل متجذّر في بنية الدولة نفسها، وليس في أفراد أو وزراء أو حكومات عابرة، بمعنى أن الدولة مصممة بطريقة تؤدي إلى الفشل مهما تغيّر الأشخاص. ويبرز هذا الإخفاق في ستة محاور:
المحاصصة الطائفية والحزبية: فالنظام السياسي العراقي قائم على المحاصصة؛ الحزب يعيّن الوزير، والطائفة تختار المدير، والولاء أهم من الكفاءة. وهذه البنية لا يمكن أن تنتج دولة ناجحة، ومهما تغيّر الوزراء ستبقى النتيجة نفسها: شلل إداري، فوضى، وفساد مؤسسي محمي سياسياً.
غياب دولة مهنية مستقرة: فالدول المتقدمة تمتلك مؤسسات تحافظ على الدولة مهما تغيّرت الحكومات، أما في العراق فالمؤسسات تُغَيَّب أو تُخترق أو يُغيَّر كوادرها مع كل دورة انتخابية، مما يقطع جذور الخبرة ويجعل الدولة بلا ذاكرة مؤسسية.
نظام رقابي عاجز عن المحاسبة: حين تكون الرقابة شكلية والهيئات مخترقة حزبياً والقضاء يتعرض للتدخل، يصبح الفساد ظاهرة بنيوية لا خطأ عابراً.
الاقتصاد الريعي: فالدولة التي تعتمد على النفط وحده دولة هشّة، لا تحتاج إلى المواطن دافع ضرائب، بينما يحتاج المواطن إليها للوظيفة، مما يجعل المجتمع تابعاً للسلطة والسلطة غير معنية بالإنتاجية.
النفوذ الخارجي: حين تُمول بعض الأحزاب أو تُدعم من دولة خارجية — ولا سيما إيران — يصبح الولاء الخارجي جزءاً من تكوين السلطة. وهذا ليس خطأ سياسياً يُصلَح بقرار، بل خلل بنيوي يحتاج إلى إعادة بناء الدولة من جذورها.
الترهل الإداري والبطالة المقنّعة: فوجود أكثر من أربعة ملايين موظف بلا دور فعلي يرهق الدولة مالياً وإدارياً، ويجعل الإصلاح الحقيقي شبه مستحيل.
لقد تحولت الحكومات العراقية المتعاقبة من سلطة يفترض بها حماية الدولة إلى سلطة تعيد إنتاج الفشل وتسمح بالنفوذ الإيراني وتشرعن الفساد بحكم بنية النظام نفسها. وبذلك يصبح "عداء الحكومة لبلدها" — وإن كان غير معلن — أخطر من أي عداء خارجي، لأنه ينخر الدولة من الداخل ويدمر مؤسساتها ويُنهك اقتصادها ويجعلها فريسة سهلة للقوي والضعيف.
وهناك دول أخرى لا تتمنى الخير للعراق، لكن الدول التي ذكرتُها تأثيرها هو الأكثر مباشرة ووضوحاً. فالولايات المتحدة ليست ذات عداء مباشر للعراق، لكنها تراه ضمن إطار استراتيجيتها في الشرق الأوسط، لا كدولة يجب أن تصبح قوية وفاعلة. كما أن إدارتها للفوضى بعد 2003 والسماح المفرط بالنفوذ الإيراني أضعفا مؤسسات الدولة، بل ألغيا بعضها، مما جعل العراق عاجزاً عن النهوض. فواشنطن تريد للعراق أن يبقى ضعيفاً وضمن حدود مصالحها.
العراق إذن لا يواجه أعداء في الخارج فقط، بل يواجه عدواً داخلياً يتمثل في دولة بنيتها مختلّة ومنظومتها فاسدة وإرادتها مخترقة. أما الدول المحيطة التي قد تتمنى ضعفه، فإن الذي يجعل هذا الضعف ممكناً هو فشل الدولة من الداخل. ولن يستعيد العراق عافيته إلا إذا تغيّرت البنية التي تنتج الفساد، وأعيد بناء الدولة على أساس الكفاءة والسيادة والمهنية.