مبارك جلواح رائد الشعر الرومانسي في الجزائر

صاحب ديوان "دخان اليأس" شاعر فذ صاحب خيال جامح وصور شعرية بديعة ولغة سلسة طيعة رقراقة وفكر متحرر عياف للقيود.


مبارك جلواح يأتي على رأس شعراء الجزائر في القرن العشرين


الشاعر كان عصاميا ولد في بلد احتل من قبل مستعمر أوروبي حارب هويته اللغوية والدينية وأغلق مدارسه


عثر على الشاعر جثة طافية على نهر السين

شاعر فذ صاحب خيال جامح وصور شعرية بديعة ولغة سلسة طيعة رقراقة وفكر متحرر عياف للقيود، لم يتهيأ له من الشهرة وذيوع الاسم ما تهيأ لغيره من مجايليه مع أنه يفوقهم في ملكة التصوير والبيان والخيال، صاحب حظ منكود وهو ليس بدعا من الشعراء الكبار الذين غمطهم النقاد حقهم وبخسهم الإعلام نصيبهم من الذكر، فأنت تجد في الكويت شاعرا بديعا مات نكرة وحيدا هو فهد العسكر (1917/1951) ولو أن الكويت أعادت للشاعر اعتباره مؤخرا. وتجد في سوريا عبدالباسط الصوفي (1931/1960) وفي مصر صالح الشرنوبي (1924/1951) وغيرهم كثير لا يتسع هذا المقال لذكرهم، وإنما هي فائدة تذكر وإشارة لا بد منها فمن قديم والظلم يطال كثيرا من النابغين في الشرق والغرب ولا يكاد المرء يجد لهم ذكرا أو أثرا إلا بعد كبير عناء في حين اشتهر أو ذاع من هم أقل نصيبا من الشاعرية ومن ملكة التصوير والبيان حظ سعيد لهؤلاء وحظ منكود لأولئك.
ولد مبارك جلواح بقرية بني عباس قرب أقبو سنة 1908 أيام الاحتلال الفرنسي للجزائر ونشأ كبقية الجزائريين في بيئة متدينة محافظة فقد قرأ القرآن الكريم على والده وتلقى علوم العربية والدين فتشربت نفسه حب الوطن والذود عن حماه والتعلق بالعربية بالرغم من أمازيغيته والتدين بالإسلام عقيدة وسلوكا ولما شب واستتم قوته أدى الخدمة العسكرية عام 1928 بالجزائر والمغرب.

إعادة الاعتبار له من مسؤولية الجامعة ومن مسؤولية الكتاب والنقاد والدارسين ومعدي الشهادات العليا

لما تأسست جمعية العلماء المسلمين اتصل الشاعر بالشيخ عبدالحميد بن باديس وتأثر بمبادئه الإصلاحية فشعار الجمعية كان "الجزائر وطننا والإسلام ديننا والعربية لغتنا"، وقد صادف هوى في نفس الشاعر فانخرط في الجمعية وانتدب الشاعر للإشراف على تعليم العربية للعمال الجزائريين بفرنسا ولم شملهم على مبادى الإسلام والوطنية والهوية الأمازيغية العربية حربا عوانا على محاولات فرنسا طمس هذه الثوابت في الجزائر وفي نفوس العمال المغتربين في فرنسا بحثا عن لقمة العيش لإعالة أسرهم الفقيرة في البلد فقد استأثر المعمرون بكل شيء وتركوا للسكان الأصليين المرض والفقر والجهل وقد كان وضع العمال في فرنسا صعبا فهم محدودو الثقافة وبعضهم لم يحالفه الحظ في تعلم الأبجدية ومارسوا في فرنسا أشق الأعمال وعاشوا حياة الضنك والمشقة والتعاسة، ولكن لا بأس مادام العمل هناك هو المورد الوحيد لإعالة أسرهم في البلد.
من أجل ذلك رأت الجمعية أن من الواجب الاتجاه إلى هذه الشريحة المهمة والكثيرة العدد ولم شملها في مدارس ونوادي تتلقى فيها مبادئ الدين وقواعد العربية وأساسيات الوطنية وكان شاعرنا ممن انتدبوا لهذه المهمة النبيلة جامعا بين التعليم والعمل.
كان الشاعر نشيطا لا يني يعمل وينظم الشعر الذي تهيأت له فواتحه، ولا يني يقرأ لفحول الشعراء العرب حتى تستقيم له اللغة وتتغذى قريحته بجيد المنظوم والمنثور وتزيده معالم باريس الجميلة بزهورها وأشجارها وأطيارها وحسناواتها ومرابع الفتنة فيها تعلقا بالجمال شأن كل الشعراء فتتفتق القريحة ويجري القلم ويتراكم الإبداع نصوصا جميلة حية فاتنة خليقة بالإعجاب والتأثير، وقد لعب الشاعر دورا في بث الأفكار الإصلاحية بين الجالية الجزائرية وكذلك نشاطه في جمعية التهذيب وقد كان الشاعر يشرف عليها ويسيرها وقد تأسست هذه الجمعية سنة 1936. 
لكن الشاعر وفي ريعان العمر وميعة الصبا وتحديدا سنة 1943 عثر عليه جثة طافية على نهر السين فمن قائل إن الوطنيين الفرنسيين الذين كانوا ينظمون المقاومة ضد جيوش هتلر المحتلة لفرنسا هم الذين قذفوه في نهر السين لأن الشاعر كان متعصبا لهتلر نكاية في الفرنسيين الذين احتلوا وطنه الجزائر، ومن قائل أن إمام مسجد باريس قدور بن غبريط المعروف بعمالته للاستعمار هو من أوعز قلب الفرنسيين على الشاعر فقتلوه غرقا في السين غير أن الرأي الأرجح والأصوب هو انتحار الشاعر يأسا وغما والأدلة على ذلك كثيرة وليس بدعا أن ينتحر شاعر عربي مسلم فقد انتحر صالح الشرنوبي عام 1951 الذي أثنى العقاد على شاعريته وتنبأ له بمستقبل شعري واعد كما انتحر الشاعر السوري عبدالباسط الصوفي في كوناكري بغينيا عام 1960 وقد كان منتدبا لتدريس العربية هناك، وانتحر منير رمزي عام 1945 زميل الروائي المصري إدوار الخراط، وخليل حاوي الشاعر اللبناني الشهير عام 1982 وفخري أبو السعود عام 1940 زميل زكي نجيب محمود على مقاعد الدراسة، والشاعر البديع أحمد العاصي الذي وضع أمير الشعراء أحمد شوقي مقدمة لديوان انتحر عام 1930.
والحق أن انتحار الشعراء لا يحدث فجأة بل هو كالجنين ينمو شيئا فشيئا مع مشاعر الوحدة والكآبة والانطواء والتبرم بالحياة والضيق بالناس واضطرابات نفسية قد تصل حالة الوسواس القهري أو الفصام أو الكآبة الحادة والتي لا ينجح الإدمان ولا الحبوب المنومة أو المهدئة في معالجتها، فيأتي الموت الإرادي واضعا حدا لهشاشة تلك النفوس وعدم طاقتها على مغالبة الألم النفسي، ونجد في أشعارهم كلمات دالة على الموت مثل: الرماد، الرحيل، الغروب، بيدر الجوع، الهوة، الوداع، الحفرة الظلام......إلخ، وذلك ما نجده في شعر الشاعر مبارك جلواح فديوانه حمل عنوان "دخان اليأس" وهما كلمتان منذرتان بالويل والهلاك وفي كثير من قصائده التي صرح الشاعر فيها برغبته في الانتحار.
اقرأ شعره في التخطيط لموته انتحارا غرقا:
ذره يرن بضوء ذا السحر ** مالي سمير غير ذا الوتر
إني سئمت من الوجود ومن ** حمق المسا وغباوة البكر
وسئمت من كيد الحياة ومن ** إحن القضا وضغائن القدر
ومن التعاسة أن يفارقني ** هذا الترنم غير منتحر
وفي قصيدة أخرى يزور السين ليلا ملتمسا عنده العزاء فلم لا يلقي بجسده ويستريح من الألم والوحدة والكآبة:
ياسين جئتك في ذا الليل ملتمسا ** بعرض لجك إخمادا لأنفاسي
خل القلى جانبا وابسط إلى كبد ** حرى وقلب معنى راحة الآسي
فإنني لا أرى في غير مائك ما **  به تطهر أوضاري وأرجاسي
لغة الشاعر سليمة رقراقة، تأثير القرآن الكريم ظاهر عليها وثقافته العربية الإسلامية فيها شيء من المحافظة على الرغم من بعض سقطاته اللغوية والعروضية وقد أشار إلى ذلك الشيخ البشير الإبراهيمي قائلا: 

من الشعر الجزائري
وقفات تأملية في حقيقة الحياة والموت 

"مبارك جلواح شاعر وجداني رقيق، له نبرات مشجية في التفنن بمحاسن اللغة العربية ومفاخر السلف والأمجاد، تغمره روح جزائرية قومية مكن لها في نفسه نقاء النشأة والتربية وذكاء العرق والقبيل قليل العناية بالصقل والتمحيص، ومن هنا جاء ما يرى في شعره من إسناد بعض الكلمات إلى ما لا يلائمها، ومن عدم الانسجام في بعض القواعد وراخى نفسه على إجادة السبك بممارسة كلام الفحول لكان منه للجزائر أي شاعر". 
وهذا لا يعيب الشاعر فقد كان عصاميا ولد في بلد احتل من قبل مستعمر أوروبي حارب هويته اللغوية والدينية وأغلق مدارسه ثم عاش في باريس حيث اللغة هي الفرنسية يومه للكد والكفاح جلبا للرزق وليله للقراءة أو التعليم، وقد كانت هذه حال إيليا أبي ماضي العصامي الذي أخذ عليه طه حسين هنات لغوية وهذا لم ينقص من قدر الشاعر فلم يتعلم بالأزهر ولا بالجامعة المصرية ولا بكلية دار العلوم ومع ذلك هو مبدع "الجداول والخمائل" و"تذكار الأمس". 
وفي شعر مبارك جلواح بروز واضح لمسحة الألم شأن الرومانسيين حتى لكأنهم يرحبون بالألم ويمجدونه لأنه معراجهم إلى سماء العبقرية ألم يقل موسيه: "لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم"؟
وهي خصيصة يتشارك فيها كل الرومانسيين، والحب حاضر فيما يخص المرأة وهو يحتل أغلب قصائد الشاعر، والانعتاق والحرية سمة الشاعر وله خيال خصب وصور بديعة لا تكلف فيها ولا تقليد شأن الشعراء المبدعين المتوحدين مع الطبيعة بين أشجارها وأطيارها ووردها وله وقفات تأملية في حقيقة الحياة والموت والخلود والزمن وبؤس النابهين وتفاهة الحياة وسطحية الناس وتعلقهم بالمادة وغير ذلك، وهو ككل الرومانسيين المجددين ينوع في الموسيقى الشعرية بين الأبحر الطويلة المشهورة كالطويل والبسيط والكامل، والأبحر الخفيفة الإيقاع كالخفيف والمتقارب ويستخدم المجزوء تارة أخرى.
وأخيرا إننا نضعه على رأس شعراء الجزائر في القرن العشرين قبل أحمد سحنون ومحمد العيد آل خليفة والربيع بوشامة وعبدالكريم العقون ورمضان حمود فقد فاقهم في الشاعرية وحسن السبك ورقة الشعور وروعة الصورة وعدم التكلف وعدم طغيان المسحة الدينية على الصورة الشعرية، ثم المسحة الرومانسية التي لازمته طفلا وشابا مناضلا وشاعرا عاشقا وأبا فهو حقيق بريادة الشعر الجزائري وإعادة الاعتبار له من مسؤولية الجامعة ومن مسؤولية الكتاب والنقاد والدارسين ومعدي الشهادات العليا.
وأخيرا لقد زرت مقبرة "بوبيني" الإسلامية في شهر يناير/كانون الثاني 2019 وقرأت الفاتحة على روحه وفاء لعهد قطعته على نفسي.