أنطولوجيا 'الشعر الألماني من غوته إلى اليوم'

الكتاب يعد إضافة هامة تثري المكتبة العربية في تواصلها وحوارها وتثاقفها مع الأدب والثقافة الألمانية.

يعد كتاب "ظلال ورد ظلال: الشعر الألماني من غوته إلى اليوم" الصادر ضمن سلسلة زهر الآداب عن دار منشورات البيت 2020 في 390 صفحة وبمساهمة الصندوق العربي للثقافة والفنون  أفاق ومن إعداد وترجمة وتقديم سليمان توفيق  إضافة هامة تثري المكتبة العربية في تواصلها وحوارها وتثاقفها مع الأدب والثقافة الألمانية.

أشار المترجم في المقدمة إلى أن الأدب الألماني بدأ مع مارتن لوثر الذي أصلح الكنيسة وترجم الكتاب المقدس إلى الألمانية التي كانت سائدة في شرقي المانيا الوسطى عام 1534 وكتب لوثر"لم آخذ لغة أو لهجة معينة  بل لغة مفهومة من الجميع في كل أنحاء ألمانيا ،إنني أخذت باللغة الساكسونية المستعملة في جميع الإمارات".

لقد أحدثت ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الألمانية  نقلة أشبه بالطفرة في نشأة وتطور الأدب الألماني الذي كان تحت سيطرة الدين والكنيسة  فكتب لوثر تراتيل وأناشيد دينية بلغة سهلة يفهمها كل إنسان وبذلك فتح الباب على مصراعيه للكتابة الجديدة التي تبلورت فيما بعد في عصر التنوير.

والواقع إن التحرر من اللغة اللاتينية ومن آدابها شرحا وتقليدا حرر الآداب الأوروبية من التبعية وتقليص هامش الحرية والمناورة الفردية وأتاح للشعوب الأوروبية أن تلج العصر وتدخل متن التاريخ صناعة وفاعلية .إن ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغات الأوروبية هو تحرر من اللاتينية ومن وصاية رجال الدين الذين يملكون القدرة وحدهم على الفهم والشرح كما هو اعتداد باللغات الوطنية القومية  مما نجم عنه اعتزاز بالذاتية  واعتزاز ذلك بأصالة الفرد وحرية الإبداع  والتفكير والكينونة الإنسانية بتجاوز مقولة" ما ترك الأول للآخر شيئا".

إن تطور الأدب الألماني والآداب الأوروبية جاء بعد التحرر من هيمنة الكنيسة من الناحية الدينية ومن الإقطاع من الناحية الاقتصادية وقد ساهم عصر التنوير  في تحرير العقل من الوصاية والإمعية والتبعية وقد كتب كانط في دراسته الشهيرة:" لماذا التنوير " (إن التنوير يعني تحرر الإنسان من الوصاية  الذي كان هو السبب في فرضها عليه والوصاية تعني عدم استعمال العقل  دون توجيه  من الخارج ، والمسؤولية تقع على الإنسان نفسه لأن السبب في فرض الوصاية لا يعود إلى عدم القدرة في استعمال العقل  بل إلى عدم الجرأة والتصميم ،لذلك تشجع أيها الإنسان واستعمل عقلك دون وصاية من أحد).

فمن جهة حررت الثورة الفرنسية أوروبا عامة من الطغيان السياسي بعد ثورتها التاريخية عام 1789  والتي استمرت حتى عام 1799مما كان  له أثره في أوروبا عامة  بالحد من سلطة الحاكم وإخضاعه إلى سلطة الشعب وسيادة القانون  وتعزيز حرية الفرد وحقوقه المشروعة الطبيعية والمكتسبة ،وغدا شعار الثورة الفرنسية "حرية ، مساواة، أخوة"  بمثابة الثالوث النوراني  الذي أنار  حلكات التاريخ الحديث وأتاح  للإنسان قدرا جديدا يصنعه بنفسه وجدانا وعقلا ،كشفا وإبداعا ونقدا.

في نفس السياق التاريخي عزز التفكير العلمي والنقدي من قدرة الفرد على صناعة التاريخ  من جديد وساهمت الكشوفات العلمية والمخترعات الجديدة في إثبات ذلك وتأكيد جدوى العلم وفاعلية النقد و أصالة الفرد في مواجهة متطلبات العصر وإشكالاته.

وتحت مظلة الانتماء للوطن والاعتزاز باللغة القومية تحرر المبدعون في أوروبا من هيمنة نظرية أرسطو في الفن وقانون الوحدات الثلاث  ومن تقليد ومحاكاة  هوميروس وأرسطوفان وإسخيلوس ويوربيديس وصافو  وفيرجيل إلى الاستماع إلى صوت الداخل الإنساني ومواجع الذات وأفراحها وهموم اللحظة : هنا والآن،  وهذا ما اضطلعت به الرومانسية التي احتوت إشكالات العصر وروحه المتمردة .

لقد حدثت بعد عصر التنوير في ألمانيا  ثورة أدبية أطلق عليها اسم "العاصفة والانطلاق" وهي تيار معاكس لحركة التنوير تدعم النزعة الفردية والعبقرية الوجدانية وتضعها فوق الفكر العقلاني الناقد  وتدعو إلى الطبيعة والحياة وكان من أبرز شعرائها غوته وشيلر.

 في ألمانيا كان التيار الرومانسي في القرن التاسع عشر على غرار الآداب الأوروبية الحديثة  يدعو إلى المعرفة والإيمان ويجمع بين الفلسفة والدين ويرتكز على استخدام الأساطير في التعبير الشعري، لقد دعت الرومانسية إلى أن تصبح الحياة كلها شعرا وكان من أبرز شعراء  هذا الاتجاه في الشعرية الألمانية نوفاليس  وفون أرنيم وأيشندورف.

أما الاتجاه الواقعي فقد تزامن  مع الثورة الصناعية وظهور الفلسفة الماركسية التي دعت إلى الاشتراكية والملكية الجماعية لوسائل الانتاج وكان للماركسية تأثير شديد على الكتابة النثرية والشعرية على السواء في الأدب الألماني مع التحمس للثورة الفرنسية  ومن أبرز شعراء هذا الاتجاه هاينريش هاينه.

بنما برز تيار التعبيرية في القرن العشرين  الذي كان يناقض القيم البورجوازية في الفن والأدب وكان من أبرز  ممثلي هذا الاتجاه في الشعر في ألمانيا  جورج تراكل  وغوتفريد بن.

وفي فترة مابين الحربين ظهرت في ألمانيا تيارات جديدة تعادي الحرب  وتناصر مبدأ العدالة وتدعو إليه وتدعو إلى الانفتاح على العلوم الطبيعية وكان من أبرز دعاة هذا الاتجاه المسرحي برتولد بريشت.

لكن وصول هتلر إلى الحكم عام 1933 شكل ضربة قوية للأدب الألماني فهاجر من هاجر وسكت من سكت  وأصبح هناك فراغ أدبي وفني مع وجود صراعات بين كتاب وشعراء  الداخل وكتاب  وشعراء الخارج لبلد عاش وضعا صعبا ودمارا كبيرا لا مثيل له.

حسب المعنى الأساسي للشعر في اللغة الألمانية الذي يعني التكثيف فالشاعر يجب أن يكون له موقف  من الحضارة ومن اللغة، من الحياة والموت  ، من الزمنية والدين ومن أبرز شعراء مرحلة ما بعد الحرب  المجددين  إنغبورغ باخمان وهانس ماغنوس  انسيسبرغ.

لقد كان للحربين العالميتين تأثيرهما البالغ على ألمانيا خاصة الحرب الكبرى الثانية مما حدا بالأدباء الألمان  بعد تجربة الموت والخراب واللا معنى إلى الجنوح نحو نشدان  السلام ونبذ الحرب و الدعوة إلى التآخي بين الناس والاعتزاز بالحرية والحب والمعرفة   والجمال .

لقد تركت تجربة الحرب الكبرى الثانية ندوبها وكدماتها النفسية وجراحها العميقة في الوجدان الشعري فقد انتهت هذه الحرب بدمار البلد وتقسيمه وكانت الحرب الباردة وسباق التسلح النووي من بواعث القلق الفكري والتوتر الروحي لدى الشعراء ونقطة انعطاف  في الأدب الألماني . وجاء الجيل الذي نشأ بعد الحرب ليثور ضد الآباء ويحاول بناء هوية خاصة مختلفة عن هوية الأهل وهذا جيل الصراعات الثقافية والسياسية،  جيل  الاغتراب .

لقد واكب هذا الجيل فترة الانتعاش الاقتصادي وعاش كل المشاكل والاهتمامات وكان سلوكه ينطوي على الشك والسخرية وساهمت حرب الفيتنام في نشوء حركة تسييس المجتمع ضد الحرب وكان معظم الأدباء منضويا تحت لواء  حركة 68 التي بدأت شرارتها في باريس ، وقد ناصر الشعراء الألمان هذه الحركة التي ساهمت في تغيير المجتمع  في ألمانيا، أما في شرقها فكان على الشاعر أن يساير الأيديولوجيا السائدة أو يصطدم بالسلطة.

وقد ازداد الإقبال في ذلك الإبان على الشعر إبداعا وقراءة نظرا لهيمنة الأيديولوجيا الرسمية  والتضييق على الصحافة فوجد الشعراء الألمان الشرقيون في التكثيف والرمز والإيحاء  أدوات للتعبير والانفلات  من قيود الرقابة  وهيمنة الحزب الحاكم في الدولة بغية خلق لغة شعرية تعبر عن شعور هذا الجيل.

أما  اليوم بعد توحيد ألمانيا  ظهرت تيارات جديدة  تلعب بالكلمات وتخلق تجربة جديدة  مع الاهتمام بالذاتية وأصبح الشعر نوعا من إمكانية التعبير عن  الداخل الإنساني الذي  لا يستطيع النثر أن يقوم به.

لقد قدمت هذه الأنطولوجيا عرضا شاملا للتجربة الشعرية الألمانية بتقديمها لنصوص متنوعة لاثنين وأربعين شاعرا وشاعرة من ألمانيا والدول الناطقة بالألمانية سويسرا والنمسا فاللغة وطن والشعرية بيت والجمال الفني سقف مع إثبات نصوص باللغة الألمانية في آخر الكتاب ومن الشعراء المترجم لهم: غوته وشيلر،هولدرين ونوفاليس ،روكرت وهاينه،نيتشه ،جورج تراكل، ريلكه وبرتولد بريشت،إنغبورغ باخمان،هاينر مولر ،دورس غرونباين وكريستيان أوتز وهذه الترجمات  مع التقديم المناسب لكل شاعر ولمحة نقدية وجيزة تلم بالسياق التاريخي والإبداعي المصاحب لمنجزه الشعري،  تتيح للقارئ العربي اكتشاف  أصالة هذه اللغة وتنوع الإبدا ع بها وثرائه  مع سد نقص في المكتبات العربية التي درجت على الاهتمام بالآداب الفرانكفونية والسكسونية .

وجدير بالذكر في حقل الترجمة عن الألمانية إلى العربية لابد من التطرق والثناء على جهود عبدالغفار مكاوي (1930/2012) ومصطفى ماهر (1936/2021) اللذين خدما الأدب العربي بترجمة روائع الأدب الألماني في السرد والشعر على السواء إلى اللغة العربية  وقدما بذلك خدمة جليلة للتواصل والتحاور والتثاقف مع الأدب والفكر الألمانيين، فالمساهمة الألمانية في حقول الفلسفة والأدب والعلم  كانت مساهمة حاسمة جدا، ليواصل الجيل الجديد من المترجمين العرب ومنهم سليمان توفيق ما دشنه هؤلاء الرواد.

لقد كان اختيار الشعراء والقصائد ينطلق من أصالة الشاعر وبصمته التي  تركها على الشعرية  الألمانية يعضد ذلك عند المترجم ذائقة شعرية ورصانة لغوية مع الدقة  وتوخي الحس الفني واللمسة البيانية التي تتحاشى الإطناب أو الإيجاز المخل، فهو شاعر ومترجم وقد نقل إلى الألمانية كثيرا من نصوص الشعر العربي، مما يضاعف  من  أهمية الكتاب، فالترجمة هنا يقوم بها شاعر ومترجم متمكن من اللغتين: المترجم عنها والمترجم إليها  فهو كما يقول يعيش بين لغتين ويحيا في ثقافتين ،ولا ينكر حبه الشديد لهما بنفس القدر، ولعل هذا الكتاب هو حوار شعري راق  بين لغتين ،وسفر في تاريخ لغة وشعريتها هي الألمانية ولغة عريقة  هي العربية كذلك فتحت دار ضيافتها –والعرب مشهورون بكرم الضيافة والاحتفاء بالآخر- لاستضافة شعراء ألمانيا في الترجمة العربية.