متحف قصر العيني.. يحفظ تاريخ الطب في مصر الحديثة

إيمان صابر: المتحف يعد من أهم المتاحف التي تضم التراث الطبي الذي استطعنا أن نجمعه ونحافظ عليه من الاندثار والضياع.


المتحف يستحق الزيارة والاطلاع ليمدنا بثقافة تاريخية طبية


فكرة إقامة متحف طبي متخصص ليست غريبة

القاهرة ـ من أحمد مروان

هناك متاحف متخصصة في مصر لا يعرفها كثير من الجمهور، أو قد تقوم بزيارتها وفود متخصصة في المجال ذاته، ومن أهم هذه المتاحف "متحف قصر العيني" الذي يعرض تاريخ الطب بصورة عامة، ويبين تطوره في مصر وجهود الأطباء والعلماء والكتب الطبية القديمة، فالمتحف يستحق الزيارة والاطلاع ليمدنا بثقافة تاريخية طبية.
تقول إيمان صابر أمينة متحف القصر العيني: هذا المتحف يعد من أهم المتاحف التي تضم التراث الطبي الذى استطعنا أن نجمعه ونحافظ عليه من الاندثار والضياع ليكون صورة واضحة عن تطور الإنجازات الطبية منذ عهد محمد علي باشا حتى العصر الحديث.
وبالطبع فكرة إقامة متحف طبي متخصص لم تكن غريبة، لأن كل بلاد العالم المتحضر قد بادرت وحوّلت هذه الفكرة إلى حقيقة؛ فهناك في أميركا وإنجلترا وكندا وأستراليا، كل تخصص لديهم يحمل تاريخا كبيرا، فأقاموا له متحفا خاصا لعرض الأدوات والصور والنماذج وسير من حياة العلماء الذين ساهموا في تطور الطب والعلاج والدواء.
ولذلك رحب الأساتذة والمسئولون في مجالات الطب الجديدة بفكرة المتحف، وقد أشار لها في البداية العالم الطبيب الراحل د. محمود المناوي. وقد لاقت الفكرة ترحيبا ولكنها واجهت الكثير من المصاعب في بداية الأمر، ولكننا تغلبنا عليها حتى تم افتتاح أول مرحلة للمتحف في مارس/آذار 1998 والمرحلة الثانية في مارس/آذار 1999.
أول متحف

لاقت الفكرة ترحيبا ولكن
تحف فنية نادرة

وتضيف أمينة المتحف: نجحت الفكرة وحققنا إنجازا وأصبح لدينا أول متحف متخصص في المقتنيات والأدوات الطبية. هذا بجانب بعض التحف الفنية والكتب واللوحات التي تؤرخ للطب في مصر.
واستطعنا أن نحصل على أشياء تاريخية ثمينة في تاريخ الطب والأطباء مثل الأدوات الطبية التي كان يستخدمها علماء الطب والمشاهير من المصريين وعلماء أوروبا منذ إنشاء مدرسة الطب المصرية في عهد محمد علي باشا، بالإضافة إلى احتوائه على كتب طبية نادرة في علم التشريح وغيرها من التخصصات، كما يحتوي على تحف فنية نادرة توضح لنا بدايات مدرسة الطب في منطقة "أبو زعبل" ومدرسة طب قصر العيني بالقاهرة.
مقتنيات المتحف
يقع المتحف بالطابق الأرضي الأيسر في قاعة المؤتمرات الخاصة بكلية طب القصر العيني في واجهة حرم الكلية الأساسي منذ إنشائها في بدايات القرن التاسع عشر. ويتكون المتحف من قاعتين: قاعة رئيسية، وقاعة فرعية.. إلى جانب قاعة جانبية ثالثة.
وتتنوع مقتنيات المتحف من مجموعة رائعة من اللوحات الزيتية ووثائق أصلية كتبت بخط اليد، وصور فوتوغرافية وتماثيل برونزية ومخطوطات طبية وكتب نادرة هذا بالإضافة إلى بعض الأدوات الفنية التي استخدمها مشاهير الأطباء في هذه الفترة في عملياتهم الجراحية والأجزاخانات الطبية التي كانت تستعمل في تركيب الدواء وإعداده.
والمتحف يضمّ بين جوانبه أجزاخانة إسماعيل باشا، وخورشيد باشا، ولوحة زيتية لدرس من دروس التشريح بقيادة "كلوت بك" وبحضور شيخ الأزهر، ولوحة زيتية لكلوت بك يحقن نفسه بصديد من الطاعون ليثبت أنه غير معد بهذه الطريقة، ولوحة زيتية أخرى للمستشفى الأهلي بالأزبكية، بالاضافة إلى الكتب الطبية النادرة خاصة في علم التشريح، ونسخة خطية لـ "تذكرة داوود"، وقَسَم الأطباء، والذي يعد أول قَسَم يتلوه الأطباء عند تخرجهم، وجهاز أشعة إهداء من عيادة د. قاسم عبدالخالق، أستاذ ورئيس قسم الأشعة بقصر العيني سابقا.
لوحات نادرة
تقول د. منى التاجي أستاذ طب الأطفال بكلية طب القصر العيني: إن من أهم مقتنيات المتحف: اللوحات الرخامية التي عثرت عليها بعثة كلية الآثار بجامعة القاهرة أثناء القيام بأعمال الحفائر الأثرية في المبنى القديم لكلية طب قصر العيني عام 1979، وهي تعتبر مجموعة مهمة من الآثار الرخامية لما لها من قيمة تاريخية كبيرة.

مزار مستمر
يضم المتحف مكتبة ذات قيمة علمية

وتوضح د. منى، المتحف يعد صورة فوتوغرافية بانورامية تظهر من خلالها ما كان عليه المستشفى ومدرسة الطب بقصر العيني قديما، وتظهر المساحات الشاسعة التي خصّصت لبناء المدرسة والمستشفى الأوروبي بفن وإتقان، كما أنه يحتوي على لوحة زيتية لمشهد بانورامي لمستشفى الأزبكية المدني الذي أنشأه إبراهيم باشا عام 1937، والذي كان يضمّ مستشفى الولادة.
كتب قديمة
ويقول د. إسماعيل حمدي خبير التراث والتوثيق: متحف القصر العيني الطبي تحفة تراثية تأتي إلى زيارته وفود أجنبية وعربية وعلماء في الطب ومتخصصون في التراث للاطلاع على هذا الإنجاز الكبير، فأهمية المتحف ليست فقط في مشاهدة أدوات تشريح قديمة أو صور ونماذج من المشروعات الطبية والأفكار القديمة أيضا، وإنما قيمته الحقيقية تتبلور في التعرف على مدى التطور الذي حققه العلماء في مجال الطب والتعامل مع العمليات وطرق إنقاذ المرضى في الحالات الحرجة.
ومن المدهش أن يضم المتحف مكتبة ذات قيمة علمية فهناك مثلا نسختان من كتاب "وصف مصر" الذى تم إعداده من قبل الحملة الفرنسية وعلمائها، وتاريخ طباعة هذه النسخ عام 1930 في باريس، وهناك أيضا كتب علماء العرب في الطب وإنجازاتهم المهمة التي أسهمت في تطور علم الطب مثل كتاب "تذكرة داوود"، ولدينا النسخة التي كتبت بخط اليد، والكتاب بالطبع شهير جدا واعتمد عليه كثيرا من علماء الطب في أوروبا، وأعتقد أنه كان البداية للتعرف على الطب البديل أو طب الأعشاب، والكتاب مسجل عليه تاريخ 986 ه.
كما يحتوي المتحف على مجموعة من الأطالس الطبية والتشريحية المهمة، وأعتقد أنه يندر أن تجد مثلها، أو نسخ منها في متاحف أخرى، ومنها أطلس بحجم كبير به صور مرسومة ومصورة بدقة وملونة لأعضاء جسم الإنسان والتفاصيل التشريحية الدقيقة لكل منها، بالإضافة إلى رسومات توضيحية عن علم طبائع الأمراض، وهو مكتوب بثلاث لغات، هي الروسية والإيطالية والإنجليزية.
وأود أن أشير بأنه يجب علينا أن نهتم بالتراث الفكري في جميع المجالات العلمية ونهتم بالمتاحف وأتمنى أن يكون هناك متحف للثقافة والآداب والفنون يعرض فيه نماذج من أعمال رجال الفكر وأن تتوحد المتاحف في مكان خاص بها ونعلن عنها للجمهور والدارسين والطلاب حتى يكون مزارا مستمرا لهم لأن أغلبية الدارسين أنفسهم والجمهور يفتقدون ثقافة المتاحف وأهميتها. (وكالة الصحافة العربية)