مترو باريس .. مذاق خاص

تحت باريس مدينة أخرى من الأنفاق تتيه فيها بلا لوحات تحدد الوجهة.


مترو باريس متحف وصالة للعرض المسرحي والغنائي والدعاية السياسية


بعض المتروهات في العالم متاحف كمترو موسكو

عمل أجدادنا من المغرب العربي ومن إفريقيا ومن إسبانيا والبرتغال في شق أنفاق المترو، منهم من قضى نحبه في العمل، ومنهم من دفع صحته ثمنا لأجرة يرسل بنصفها إلى البلد ليعيل أسرة كثيرة العدد. 
والحق أن المترو إنجاز حضاري عظيم إنه تماما كالشرايين تحمل المسافرين تحت الجلد الترابي إلى وجهاتهم الخلوية تماما كما لا ترى الدم يتدفق في العروق، ولكن ترى أثر الحياة تتدفق والروح ممراح والنشاط يدب في الجسم. 
تحت باريس مدينة أخرى من الأنفاق تتيه فيها بلا لوحات تحدد الوجهة، تيه بني إسرائيل في سيناء، وقد تاهوا أربعين سنة، أما أنت فستتيه قرنا بالتمام، بحر متشابه من الأنفاق، ظلمات بعضها فوق بعض لولا الإنارة، ولكن ماذا تعمل في غياب اللوحات الإرشادية، بالمترو؟ لا تحتاج إلى سيارة تصل إلى مبتغاك أسرع من استعمال السيارة. 
عمل خلاق وإبداع إنساني فريد، بعض المتروهات في العالم متاحف كمترو موسكو، لكن مترو باريس له مذاق خاص، إنه متحف وصالة للعرض المسرحي والغنائي والدعاية السياسية، تصادف عازف قيتار يعزف، أو عازف كمنجة تسيل عذوبة ورقة أنغامها. في المترو تشم العطر الأنثوي الذي تنتشي به فتختلس نظرة مؤدبة لبقة إلى صاحبته، أو رائحة نبيذ من سكير تعتعه السكر، وتسمع لغات شتى، ولكن في هدوء ونظام وسكينة، فهذا غارق في قراءة كتاب والآخر يتصفح في جريدة. 
لكن للمترو حكايات مع عمالنا في بداياتهم لاستعماله، فأحد أبناء بلدتنا وكان الرجل لا يقرأ كان يتعرف على المحطة التي ينزل فيها من لوحة إشهارية عملاقة تمثل رأس عجل وقد دام الإشهار مدة فلما استبدلوه تاه الرجل وظل في العربة قابعا لا يعرف أين ينزل حتى أوشك الليل على الانصرام، فنزل رفاقه في الليل يبحثون في اتجاه الخط لقد أدركوا بحاستهم الاجتماعية أن الرجل تاه لأنه لم يجد رأس العجل.
وبعضهم من الذين لا يعرفون القراءة كانوا يضعون الحصى في جيوبهم بعدد المحطات وكلما توقف المترو في محطة نزعوا حجرا حتى تنتهي الحجيرات فيعرفون أنها محطتهم المعنية.

حتى المفكر الراحل مالك بن نبي لما قصد باريس أول الأمر نزل إلى المترو واشترى تذكرة إلى الوجهة المقصودة لكن العاملة أرشدته إلى ضرورة الاتجاه إلى الجهة المقابلة فما كان من الرجل إلا أن هم بالنزول مرورا بالسكة ليعبر إلى الرصيف المقابل فأدركته العاملة صائحة بضرروة التوقف لأنه سيقتل نفسه لأن الخط عالي التكهرب، بل لا بد من الخروج من النفق والسير في الشارع ثم النزول إلى النفق المناسب. 
نعم حكى ذلك في مذكرات شاهد قرن، كما حكى عن محاولته اجتياز ساحة الكونكورد مشيا على الأقدام، وكاد يتلف نفسه وسبب توقفا للسيارات والكل يهتف: يا عبيط انزل تحت الأرض وغير الجهة، نعم مالك العملاق هكذا كانت بداياته الباريسية مع المترو وميدان الكونكورد، حتى جدي محمد مرّ مع أحد اصدقائه في أحد الآحاد بساحة الكونكورد وكان الصديق نكّاتا خفيف الروح انبهر بشساعة الميدان فأخبر جدي أنه يصلح لصلاة العيد فعاتبه جدي على هذا الكلام لأن الفرنسيين يدنسون المكان بكلابهم وكان الصديق يمزح فقط.
منذ سنوات خلت عدت بالمترو متأخرا وكنا ثلاثة في العربة أنا ومتشرد وشاب يلبس بزة أنيقة، رأيت عجبا الشاب الأنيق يخرج صكا يمضي عليه ويقدمه للمتشرد فقلت في نفسي ليس للمعروف ملة إنه فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ومرة عدت بعد منتصف الليل وكنت وحدي داخل العربة صعد شخص طويل عريض بلحية كثة تفوح منه رائحة الكحول، وكان السكر قد نال منه وكان متعبا ويريد النوم، فما كان من الرجل إلا أن تمدد على أرضية العربة واستسلم للنوم العميق، ولا أحد اعترض عليه أو أفسد عليه نومه ضحكت في كمي وقلت في نفسي مرددا بيت امرئ القيس:
وتضحي فتيتُ المِسكِ فوقَ فراشها ** نؤُومَ الضُّحى لم تَنْتُطِقْ عن تفضُّل
فغدا سينهض من نومته وسيجلس على الرصيف ويستجدي ويعود إلى السكر والتمدد على أرضية المترو دون إيذء من بشر أو رقابة.