محمود الضبع: السلطة تصنع مخططات حاسمة للسيطرة على منافذ الثقافة

الناقد المصري يرى أن أخطر ما يواجه الثقافة في إطار التحولات يتمثل في المحاولات التي تسعى لإزالة الحدود بين الشعوب وموروثاتها الثقافية تحت مسمى العولمة.


الدولة تسعى لاستقطاب المثقفين على نحو يعمل على فرض هيمنة الفكر السياسي على الفكر الثقافي


المفاهيم الثلاث التي حيرت العالم عبر تاريخه الفلسفي: الخفة والزمن والحركة

يرى الناقد د. محمود الضبع أن أخطر ما يواجه الثقافة في إطار هذه التحولات يتمثل في تلك المحاولات التي تسعى لإزالة الحدود بين الشعوب وموروثاتها الثقافية تحت مسمى العولمة، واعتمادها على فلسفة التفكيك كمرحلة أولية، ثم على فلسفة المجتمع المفتوح في مرحلة تالية، والتي تفترض بدورها ذوبان الهوية الثقافية في إطار كل أكبر، والتقريب بين المتباعدات ومحو الفروق والانتصار لأفكار التعددية الواردة على حساب الهويات القومية التي تسعى لتوحيد الهوية أو على أقل تقدير اختيار الهوية المعيارية التي تلتف حولها الهويات الفرعية أو يجب أن تلتف.
ويشير الضبع في كتابه الصادر عن دار بتانة للنشر أنه ربما لا يمكن الزعم في التراث العربي بوجود تنظير لنظرية الثقافة، وإن كان ذلك الغياب لا ينفي وجودها (المنتج الفكري)، ولا ينفي وجود مفرداتها وأدواتها، فمجمل نتاج التراث العربي المكتوب والشفاهي على حد سواء إنما هو مشروع ثقافي، تمت صياغته بوعي، هو في الغالب الأعم وعي بالحضارة العربية ودورها الفاعل في تطوير مسيرة البشرية، إلا أن المداخلات الخارجية والسياقات المحيطة عبر التاريخ هي التي أودت بدوره الفاعل، وعملت على عرقلته، وهو ما يمكن تلخيصه في نظرية الحكم ودورها عبر مسيرة الثقافة العربية إيجابيا تارة (هارون الرشيد ودوره في وضع المؤلفات، وتأسيسه بيت الحكمة، والخليفة المأمون، ومعظم خلفاء العصر العباسي، وحركة إخوان الصفا ومحاولتها إعادة صياغة الوعي حتى وإن كان ذلك على مستوى النخبة) وسلبا تارة أخرى (وأد الفلسفة مثلا وما حدث لابن رشد وغيره في العصر ذاته)، وإن كانت هناك عوامل أخرى بعضها خارجي وبعضها داخلي، فلا يمكن مثلا تجاهل مسيرة الثقافة العربية عبر تشكلها، وما أحاط بها من ظروف سلبية في غالبيتها.

ثورة التكنولوجيا لا يمكن السيطرة عليها، فعمرها الزمني قصير جدا قياسا إلى تأثيرها الكبير الفائق الوصف في الحياة، وهي ثانيا تتدخل في كل شيء بدءا من تدجين الحياة نفسها  

يبحث د. الضبع في أبعاد الثقافة العربية وتساؤلاتها ومفاهيمها التي تشهد تحولات جذرية في طبيعتها وطرائق تداولها. ويحلل مرجعيات هذه الثقافة في الوعي العربي وتأثيرات ذلك الوعي على الواقع المعاصر، ويتتبع ويرصد علاقة المثقف بالسلطة وعلاقته بالفعل الثقافي ومكانته في خارطة الإنتاج العالمي الآن، وتقاطعات الثقافة العربية مع التكنولوجيا والمعلوماتية، والنقد الثقافي، ويقف أخيرا أمام ملامح هوية الثقافة العربية والمخاطر الآنية والمستقبلية التي تهددها.
وفي سياق رصده وتحليله وطرح رؤيته حول الثقافة والمثقف يتوقف الضبع مع الثقافة والسلطة حيث يلفت إلى أن الدولة تسعى لاستقطاب المثقفين على نحو يعمل على فرض هيمنة الفكر السياسي على الفكر الثقافي وهو ما أنتج عبر سنوات ما يمكن تسميته بالتسلط الثقافي، إذ تحول المثقف في لحظة ما بوعي أو بدون وعي وبوازع داخلي أو بتحريض من خارجه، يتحول إلى البحث عن طريق عبر السلطة وهنا على نحو أو على آخر لا تكون النتائج في الأغلب الأعم محمودة. لذا يرى البعض أن المثقفين الحقيقيين والثقافة الحقيقية تحيا أو يجب أن تكون في الظل، وهو قول على الرغم من ظاهرية صحته إلا أنه مراوغ، إذ أن أحد التعريفات والمعايير المهمة للثقافة هي الانتاج، والإنتاج لا يكون إلا إذا تم تفعيله في سياق مجتمع، يشمل حجم التغيير الذي يمكن أن يحدثه في الأداءات الحركية والجوانب الفكرية، وحجم التغير في جملة المباديء والممارسات الحياتية للبشر.
ويوضح الضبع أن الفعل الثقافي ثوري بطبعه، إذ لا بد أن يكون هناك دوما جانب فاعل في المثقف تجاه الحياة والعلاقات مع الآخرين وتكوين صورة حول الذات، والسلطة تعلم دوما قدرة الثقافة على التغلغل في أنفاس الشعوب، وبخاصة الأصوات الدينية المرجعية التي تتخذ مدخل إعادة الإنسان إلى روحانياته وما يتعلق بالإلهيات في نفسه، تتخذها سلما لإحكام القبضة حول هذه المجتمعات، مثلما حدث مع جماعات الإخوان المسلمين في تونس ومصر وصعودهما للحكم باسم المرجعية الدينية. 
ويقول "السلطة على وعي بهذا الدور ومن ثم تصنع مخططات حاسمة للسيطرة، على منافذ الثقافة، بأي شكل من أشكال السيطرة، التي تتخذ طابع المكر والدهاء في أزمان قوة هذه السلطة، ثم تتخذ العنف والبطش والتنكيل طابعا لها عندما يدب فيها الوهن. وفي كل الأحوال وعلى مر العصور كانت هناك جماعات سلطوية ينحصر عملها في مراقبة والتحكم في عمليات التثقيف مهما كانت مستويات دنيا أم عليا بدءا بالأغنيات الشعبية والمواويل التي تشير إلى رموز سياسية ما، انتهاء بالوسائل الفاعلة للثقافة في العصر تبعا لأدواته، الكتب مثلا في القرون الماضية ووسائل الإعلام وشبكات الإنترنت في العصور الحالية، وهو ما تم قطعه في مصر أثناء ثورة 25 يناير 2011 كنوع من التجبر للنظام الحاكم، هذا القطع ما كان أن يحدث لولا جماعات السلطة التي ينحصر عملها في المراقبة والتحكم. والأدهى من المستوى السابق، ذلك المستوى المتمثل في التحول من الثقافة إلى التحول للتسلط، والذي لا يتوانى في تسيس الوعي من حوله إن لزم الأمر، وتزييفه إن كان لا بد من ذلك وتنميطه أو تعطيله أو تحويل مساره أو الارتداد به، أو غير ذلك مما تقتضيه الأحوال.
وتساءل د. محمود الضبع: هل هناك حراك ثقافي عربي ينفصل عن الوعي السياسي؟ وهل هناك حراك سياسي بلا فكر ثقافي؟ ويضيف "نعم هناك مساحات واسعة من التلاقي بينهما، في كونهما دائما وعلى مر التاريخ يعملان دوما في اتجاه مضاد للسياسة والحكم والسلطة، أو على أقل تقدير فيما يضر مصالحها، فحركة أحمد عرابي في مصر مثلا حراك سياسي ثقافي لأنها كانت تنطلق من السياسة وتستخدم السياسة وبخاصة القوى العسكرية وهو ما تجسد في مطالبها ضد الخديوي، ولكن حركة محمد عبده حركة ثقافية اتخذت السياسة وسيلة لها، تلك هي الفروق الدقيقة بينهما، وهي التي تكمن في أسبقية نوع الحراك على الثاني، الثقافة التي اتخذت السياسة أم السياسة التي تعتلي الثقافة وتحركها لبث الوعي والثورة في المجتمعات، وهو ما تحتاجه الثقافة العربية الآن بالفعل، لتواجه متطلبات كثيرة منها الثورة للمعلوماتية والثورة للتكنولوجيا والثورة للحضارة.  

تحولات جذرية
التقريب بين المتباعدات 

ويشدد الضبع على أن كلا الحراكين استطاع في الثقافة العربية بل وفي ثقافات العالم أن يحدد مصائر الشعوب، فإن كانت الثورة تحتاج دائما إلى واحد يقودها، فإن الحراك الثقافي لا يقوده واحد فقط، بل لا بد من اتحاد جماعات ومؤسسات لقيادته وهو أمر طبيعي ينتج عن طبيعة الهدف، فالحراك السياسي تكون أهدافه محددة، إما على سبيل المثال الإطاحة بنظام سياسي مثلما حدث مع تونس في الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي، أو في  مصر للإطاحة بنظام مبارك وأعوانه، أو في اليمن بالإطاحة بنظام على عبدالله صالح، أو تعديل مبادئ سياسية، أو رفع ظلم وجور، أو محاربة فساد على نحو ما. أما الحراك الثقافي فإن أهدافه متعددة، تتوجه في المقام الأول إلى مخاطبة الوعي والوعي بدوره تتجاذبه محاور عدة، منها الوعي الديني والوعي الاجتماعي والوعي الأخلاقي والوعي الصحي، والوعي البيئي وغيرها كثير من المجالات والأطر العامة التي تشكل في إجمالها المعرفة، وتتحول بدورها لتشكل الثقافة، عندما تتحول إلى إنتاج على نحو ما.     
وفي ختام كتابه يضع د. الضبع ملامح المأزق الإنساني الثقافي المستقبلي والتي قسمها إلى تصنيفات كبرى منها: أولا مأزق إنسانية الإنسان، إذ إن التعامل مع الإنسان ودراسته غدا ينطلق من فلسفة يحكمها الفكر التكنولوجي المعتمد على نظم خفية تؤدي إلى تشغيل أدوات مادية، وهو ما نبهت إليه بعض الدراسات من ضرورة مراعاة الشق الإنساني في كل فعل ولو كان آليا.
ثانيا: مأزق معرفة الإنسان حول الإنسان إذ كلما ازددنا علما بالشيء تضاءل حجم الشيء أمام نفسه، وتعاظم حجمنا أمام أنفسنا والإنسان منذ بدأ الوجود يبحث عن نفسه، ليعرف المزيد حولها، وسقراط صاحب مقولة "اعرف نفسك" فتح الباب على مصراعيه أمام بحث الإنسان في نفسه، وهو باب لم يغلق بل ازدادت الجرأة عليه، والتجريب والتطوير والتصنيع فيه، فأي مأزق مقدمة عليه البشرية كلما ازداد علما بما تمتلكه من طاقات وما تكشفه من أسرار.
ثالثا: مأزق الحضارة والوعي بالحضارة من عدمه، وبالمعرفة وإمكانيات توظيفها والثقافة وإمكانيات إنتاجها، انطلاقا من تعريف الثقافة بالإنتاج، والحضارات ترتبط دوما بانهيارات سواء على المستوى المصاحب لها في الجوانب المخفية من الحياة أو على المستوى المستقبلي المنتظر لها عندما تصل إلى مداها وعظمتها.
رابعا: مأزق التقدم. وخامسا: الثورة الزراعية، وسادسا وأخيرا: الثورة الصناعية التي استغرقت قرونا ولكنها كانت دوما تسمح للإنسان باستيعاب المنتج الصناعي والتعامل معه على مهل وهكذا. 
أما الثورة الحالية ثورة التكنولوجيا فلا يمكن في إطارها السيطرة عليها، فهي أولا عمرها الزمني قصير جدا قياسا إلى تأثيرها الكبير الفائق الوصف في الحياة، وهي ثانيا تتدخل في كل شيء بدءا من تدجين الحياة نفسها، وما حملته من هندسة وراثية غدت تتحكم في كل حيوي، وهي ثالثا تمتلك المهارات الثلاث الساحرة: القدرة على اختراق الزمان، والقدرة على اختراق المكان، والقدرة على الانتشار بخفة (المفاهيم الثلاث التي حيرت العالم عبر تاريخه الفلسفي: الخفة والزمن والحركة).