مخاوف إيرانية من تمدد النفوذ الأميركي في القوقاز
طهران - تتابع إيران بقلق متزايد التحركات الأميركية الرامية إلى تعزيز حضورها الجيوسياسي في منطقة جنوب القوقاز، في ظل اتفاقات سلام جديدة بين أرمينيا وأذربيجان برعاية واشنطن، تتضمن مشاريع بنى تحتية ترى فيها طهران تهديدًا مباشرًا لمصالحها الأمنية والاستراتيجية. ويبرز في مقدمة هذه المخاوف مشروع ممر عبور جديد من شأنه إعادة رسم خرائط النفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة لإيران وروسيا على حد سواء.
وخلال لقاء دبلوماسي في طهران، عبّر علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، عن رفض بلاده القاطع للممر المقترح الذي يربط أذربيجان بإقليم نخجيوان عبر الأراضي الأرمنية، معتبرًا أن المشروع يتجاوز طابعه الاقتصادي المعلن ليحمل أبعادًا أمنية وعسكرية غير معلنة. ووفق الرؤية الإيرانية، فإن هذا الممر يشكل امتدادًا لمبادرات سابقة عارضتها طهران، لما قد تسببه من تغييرات جيوسياسية تمس حدودها ومجالها الحيوي شمالًا.
ويُنظر إلى المشروع، الذي أُدرج ضمن تفاهمات السلام بين يريفان وباكو برعاية أميركية، باعتباره محاولة لإيجاد مسار بديل يتجاوز الأراضي الإيرانية، ما يقلل من أهمية إيران كممر تقليدي للتجارة والطاقة بين الشرق والغرب. وتخشى طهران أن يؤدي ذلك إلى تراجع دورها الإقليمي في شبكات النقل الدولية، خصوصًا في ظل احتدام التنافس على طرق العبور بين القوى الكبرى.
ولا يقتصر القلق الإيراني على البعد الاقتصادي فحسب، إذ ترى طهران أن المشروع قد يفتح الباب أمام وجود عسكري أو أمني غربي دائم بالقرب من حدودها الشمالية. وتحذر دوائر صنع القرار في إيران من أن التجربة السابقة تشير إلى أن الولايات المتحدة غالبًا ما تبدأ حضورها في المناطق الحساسة عبر مشاريع مدنية واستثمارية، قبل أن يتحول ذلك تدريجيًا إلى نفوذ أمني واستخباراتي أوسع.
ومن زاوية أخرى، تعتبر إيران أن الممر المقترح يخدم أجندات إقليمية أوسع، من بينها تعزيز نفوذ تركيا في فضاء آسيا الوسطى، بما ينسجم مع مشاريع تكامل تركي عابر للحدود، وهو ما تنظر إليه طهران بعين الريبة، خصوصًا إذا ترافق مع دعم غربي أو أطلسي. كما تخشى أن يؤدي ذلك إلى اختلال موازين القوى في جنوب القوقاز لمصلحة أذربيجان، على حساب الدور الإيراني التقليدي في المنطقة.
وتولي طهران أهمية خاصة لحدودها القصيرة مع أرمينيا، التي تعد منفذًا استراتيجيًا يربطها بالبحر الأسود وأوروبا، وتعتبر أي مساس بهذه الحدود أو تقليص لدورها تهديدًا مباشرًا لقدرتها على المناورة الجيوسياسية. ويزداد هذا القلق في ظل الحديث عن إمكانية استخدام الممر الجديد لتعزيز الحضور الإسرائيلي في محيط إيران، في ضوء العلاقات الوثيقة بين تل أبيب وباكو.
أما على الصعيد الدولي الأوسع، فتخشى إيران أن يؤدي بروز هذا الممر إلى إضعاف موقعها في المبادرات الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، التي شكّلت إيران أحد أعمدتها الرئيسية عبر المسار الجنوبي. وترى طهران أن تراجع أهميتها في هذه المبادرة قد يعمّق محاولات عزلها اقتصاديًا، ويحد من قدرتها على الاستفادة من موقعها الجغرافي الفريد.
وفي المحصلة، تعكس المواقف الإيرانية حذرًا استراتيجيًا من تحولات متسارعة في القوقاز ووسط آسيا، حيث تتداخل مشاريع السلام والتنمية مع حسابات النفوذ العسكري والأمني. وبينما تؤكد واشنطن أن هدفها دعم الاستقرار الإقليمي، ترى طهران أن هذه التحركات تحمل في طياتها تهديدًا طويل الأمد لمكانتها ودورها الإقليمي، ما ينذر بمزيد من التوتر الصامت في واحدة من أكثر ساحات التنافس الدولي تعقيدًا.