مدق الحناء العماني يفتتح الدورة الثالثة لمهرجان المسرح الخليجي

تظاهرة فنية كبرى احتضنت صناع المسرح في دول مجلس التعاون الخليجي من مخرجين وممثلين ونقاد وفنيين.


"مدق الحناء" يتناول قضية مدينة تعيش تحت سطوة ما أطلق عليه "الوجيه" الذي تولّى بعد اختفاء وجيهها الأسبق "برهان" وعدم عودته


ثلاثة أطراف متصارعة جميعها يريد امتلاك السفينة

افتتحت الدورة الثالثة لمهرجان الشارقة للمسرح الخليجي في تظاهرة فنية كبرى احتضنت صناع المسرح في دول مجلس التعاون الخليجي من مخرجين وممثلين ونقاد وفنيين، وذلك في حضور الشيخ د. سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، حيث الاحتفاء بجديد المسارح في دول الخليج وبالمتجدد والأصيل من الرؤى والمفاهيم المسرحية والأفكار والمظاهر الفنية من مختلف الأجيال، وإتاحة تبادل للخبرات من الملتقى الفكري الذي يصاحب المهرجان ويقدم إضاءة فنية ونقدية موازية للعروض المقدمة، فضلا عن "مجلس المسرح الخليجي"، ثلة من المسرحيين للحديث عن راهن ومستقبل الممارسة المسرحية في الخليج (مجلس المسرح الخليجي) الذي يجمع  ثلة من المسرحيين للحديث عن راهن ومستقبل الممارسة المسرحية في الخليج .
وتشارك دولة الإمارات العربية المتحدة في المهرجان، الذي يعد الأضخم في المنطقة،  بمسرحية "سيمفونية بلا أوتار"  كتبها إسماعيل عبدالله ويخرجها محمد العامري "فرقة مسرح الشارقة الوطني"، وتأتي دولة الكويت ممثلة بمسرحية "الصبخة" من تأليف وإخراج عبدالله العابر "فرقة مسرح الخليج العربي"، وتشارك البحرين بمسرحية "نوح العين"، من تأليف جمال صقر وإخراج أنور أحمد "فرقة مسرح أوال"، فيما تحضر سلطنة عمان بمسرحية "مدق الحناء" من تأليف عباس الحايك وإخراج يوسف البلوشي "فرقة مسرح مزون"، أما السعودية التي توجت بجائزة أفضل عرض في الدورة الماضية فتشارك بمسرحية "حبوس" من تأليف صالح آل زمانان وإخراج نوح الجمعان "فرقة مسرح الوطن".
أما الملتقى الفكري المصاحب فيأتي تحت عنوان "المسرح الخليجي والموروث الشعبي"، بمشاركة: مرعي الحليان ـ الإمارات، وسامي الجمعان ـ السعودية، وجاسم البطاشي ـ عمان، وعبدالله يوسف، ويوسف الحمدان، وعبد الله سويد ـ البحرين، وسكينة مراد وفيصل القحطاني ـ الكويت.  
وقد أعقب الافتتاح عرض لمسرحية "مدق الحناء" التي كتبها السعودي عباس الحايك وأخرجها العماني يوسف البلوشي وقدمتها فرقة مزون العمانية. وتناول العرض قضية مدينة تعيش تحت سطوة ما أطلق عليه "الوجيه" الذي تولّى بعد اختفاء وجيهها الأسبق "برهان" وعدم عودته، يرى هذا الوجيه أن المدينة وما عليها من بشر وبحر ومزارع وأرزاق وقوانين ملك خاص له يتصرف فيه كيف يشاء، ويمارس هذه السطوة المستبدة بحماية مسلحة لا تتواني لحظة عن الدفاع عنه والتصدي لمن يحاول الخروج عليه، فيما أهل المدينة من البحارة خائفين لا يملكون مواجهته، يأمرهم باستكمال سفينة، هم يرون أنهم أحق بالسفينة وأرزاق البحر منه، وهو يرى أنها ملكه وأنهم ما لم يستكملوها سوف يكملها ويبحر بها مع الغرباء.

نحن أمام ثلاثة أطراف متصارعة جميعها يريد امتلاك السفينة، الوجيه وعصابته المسلحة وأهل المدينة "أم الخير" البحارة البسطاء الخائفون ممثلين في العراف الأعمى وابنته وبائعة الحناء وولديها الذي يعمل أحدهما ساعدا أيمن للوجيه وجانب من أهل المدينة، والطرف الثالث المجهول الهوية لكنه الغائب الحاضر الفاعل لدى الجميع خاصة الوجيه الكثير التهديد بالاستعانة به. 
يتحدى العراف أو العارف الوجيه ويضحي "صخر" أحد أبناء المدينة بحياته في مواجهته رافضا أن تكون السفينة للوجيه وغربائه، لكن "هجرس" ابن بائعة الحناء ومساعد الوجيه والطامح إلى الوجاهة يقتله، وذلك في خيار صعب إما أن يقتل برصاصة الوجيه نفسه أو يقتل "صخر" صديقه وجاره، لذا فإن القاتل والمقتول ضحيتان، يندم هجرس ندما يدفعه للتخلص من يده التي داست على الزناد ويتحول حزنه إلى هلوسات خاصة بعد موقف أمه حتى لينتهي الأمر بموته وانفجار أمه حزنا عليه. ويسرق الغرباء السفينة ويبحرون بها فيما ينادي الوجيه أهل مدينته لينقذوها لكن دون جدوى ليغرق في الهلوسات، على وقع مدقّات الحناء التي تتعالي معبرة عن انتهائه. 
مرونة المخرج البلوشي على خشبة المسرح واستغلاله لفضائه بحرفية عالية لم تترك فيه أي مساحة لم تستغل أكسب المشاهد قدرة فائفة على التعبير، الفضاء لم يكن محايدا بل حمل طاقة دلالية مجازية، وجاء ذلك متوافقا بل ملتحما مع جماليات استخدام الموروث الشعبي العماني موسيقاه وأغانيه وطقوسه.
تمكن البلوشي من عرض لم يكن فقط لتشكله عناصر سينوغرافيا من إضاءة وديكور وموسيقى وملابس أدوات كالمدق والهون وغيره، أيضا في تحكمه في هذا العدد الضخم من الممثلين ـ 60 ممثلا ـ وسلاسة وليونة حركتهم وأدائهم على الخشبة، قد تكون هناك بعض الانفعالات المفتعلة، لكن لا يمكن أن ننكر أنه قدم ممثلين أظن أنهم سيكونوا في الغد القريب نجوما مثل زينب البلوشي التي لعبت دور الأم باقتدار بارع وبلقيس البلوشى التي لعبت دور الطفلة المتطلعة مع والدها الرائع "عيسى الصبحي" لمستقبل يملأه هواء الحرية، وعبدالحكيم الصالحي الذي قام بدور هجرس وهو الدور الأكثر صعوبة في العرض وغيرهم.
لكن ما الرسالة التي يحملها العرض ويستهدف بها جمهوره، إنها التوق للحرية بعيدا عن الدم، وأن هناك دائما الغرباء المجهولين الذين يتربصون بالحاكم والمحكوم معا، ومن ثم عليهما معا أن ينتبها لخطورة ذلك، ولكي ينتبه كل منهما للآخر لا بد أن يكون هناك ثمة متنفس وقبول للحوار بعيدا عن الاستبداد والقمع والسلاح والاستقواء بالغرباء.
يقول المخرج يوسف البلوشي في تصريحه حول عرضه أنه يجسد التوق للحرية بوصفها غاية فطرية لدى الإنسان الذي لطالما غالب وصارع حتى يتحرر من كل قيد، ساعيا إلى السلم والسعادة في مجتمعه.