"مذبح الموتى" أشباح الراحلين تتزاحم في الذاكرة

عنوان رواية الكاتب البريطاني هنري جميس مُحمَّل بإيحاءات دينية ويشير إلى طقوس إحياء ذكرى الموتى في الديانة المسيحية.


السردُ يسترسلُ على لسان الراوي المتكلم بضمير الثالث عن حياة الشخصية المحورية


صاحب "درس المُعلم" يريدُ إبانة عن خصوصية سترانسوم وغرابته من خلال تقديم شخصية مُناقضة في سياق روايته

يقولُ الشاعرُ الفرنسي لويس آراغون: "لا يوجدُ حبٌّ سعيد". لا ينفي هذا الكلام السعادة في الحب، ولا يصحّ فهم العلاقة بين شعورين بوصفهما على طرفَي النقيض، بل هناك ما يجمعُ بينهما وهو هشاشة الاثنين، وتحولهما إلى ذكرى قد ترافق المرء على مرّ الزمن، وقد يبلغُ التماهي مع ما تختزنه الذاكرة إلى حدّ الانفصال من الواقع، الأمر الذي يتناولهُ الكاتب البريطاني هنري جميس في روايته القصيرة "مذبحُ الموتى" الصادرة أخيراً من مسيكلياني، تونس، ترجمة وليد أحمد الفرشيشي. 
ومن الواضخ أنَّ العنوان مُحمَّل بإيحاءات دينية ويشير إلى طقوس إحياء ذكرى الموتى في الديانة المسيحية. وما يفصحُ به الراوي العليم من الصفحة الأولى يرسي التواصل القائم بين دلالة العنوان ومضامين العمل، إذ تتمّ استعادة حياة جورج سترانسوم من خلال تقنية الاسترجاع. وهو ينفر من الاحتفالات ويمقتُ المناسبات عدا مناسبة وحيدة، وهي تاريخ وفاة ماري أنتريم، على طريقته الخاصة. 
ويلمحُ الراوي بأنّ سترانسوم لم يمتلك عاطفة جياشة، لكن ما شعر به عقب وفاة عشيقته هو الفراغ، ومنيت محاولاته لسدّه بالفشل، ويكون الإدراك بهذا الفراغ أكثر كلما حلّ ذلك التاريخ في شهر ديسمبر/ كانون الأول، حيثُ يسلك الطريق نحو المكان الذي دُفنت فيه ماري. إضافة إلى ذكرى رحيل الأخيرة، فإنَّ حياة سترانسوم لم تخلُ من تجارب الفقدان، وعندما بلغ عامه الخامس والخمسين تزاحمت في ذاكرته أشباح الراحلين، غير أنَّ انشداد هذا الكهل إلى هؤلاء الغائبين يظهرُ بعد انضمام ماري إلى عالمهم.

الثيمات الأساسية التي ينهض عليها النص هي الذكرى والتسامح والحنين

الاكتشاف
يسترسلُ السردُ على لسان الراوي المتكلم بضمير الثالث عن حياة الشخصية المحورية، ويكون الاهتمام بالعالم الداخلي لسترانسوم، أوضح، إذ يستبطنُ الراوي ما يدورُ في خلده حول مُعتنقه الديني، ويُفْهَمُ مما يردُ حول هذا الجانب من شخصيته أنَّه ما أراد اعتناق دين بناءً على اختيار الآخر إلى أن يكتشفَ بأنّ دينَ الموتى هو ما يطيبُ له أن يؤمنَ به، وبذلك يشرعُ جورج في ممارسة طقوسه الخاصة ويحتفل بالدين الذي يوافق وعيه ويستجيبُ لورعه، وهذا يعني ارتياد موقع أبعد ما يكون من الحياة العادية، ولا يمكن وصف هذه الحالة أيضاً بالتصوف، بل تتخذُ طابعاً لاهوتياً خاصاً مسكوناً بالحنين والنبض الرومانسي. 
يريدُ صاحب "درس المُعلم" إبانة عن خصوصية سترانسوم وغرابته من خلال تقديم شخصية مُناقضة في سياق روايته، إذ يرى كريستون، وهو صديق البطل الضد، مستوعباً لواقعه، بينما يحلّقُ الأخير في رومانسية مُشبعة بالجنائزية بعد رحيل عشيقته، فإنَّ الأول تمكن من تجاوز محنته بعدما مرَّ بتجربة مماثلة حيثُ تموتُ زوجتهُ كايت كريستون ويتفاجأُ سترانسوم بصديقه برفقة سيدة أميركية مُتأنقة أمام محل المجوهرات، إذ يقدّمها بأنها زوجتهُ؛ حاول جورج سترانسوم أن يظهر طبيعياً في هذا الموقف، ويتذكر زيارة صديقه إلى أميركا طلباً للهدوء النفسي، ومن ثُمَّ يستعيدُ جورج في مُعتكفه صورة السيدة كايت التي تحلت بالكياسة والانتظام في المشاعر، ويشي ما يتواردُ في ذهنه بشدة إعجابه بكايت، لدرجة كان لا يمانع أن يخونَ صديقه من أجلها. 
ما يشاركُ جورج عزلته غيرُ طيف كايت متأكداً بأنّ عينها تراقبه مُنفتحة على الغرفة. هنا، في حين ينهمكُ جورج في تخيلاته يقعُ نظره على صحيفةٍ ملقاة سبق له أن أهملها دون أن يتوقع بأنَّ ثمة ما يهمه على صفحاتها. قبل أن يخلد إلى النوم أخذها مطالعاً بعض محتوياتها. لفت اهتمامه خبر وفاة السير أكتون هيغ. يتدخلُ الراوي من جديد، مشيراً إلى الصداقة التي كانت قائمة بين جورج والسير قبل أن تنقطع العلاقة بين الطرفين إثر اشتراكهما في الصفقات. يتنفسُ جورج الصعداء عندما لا يصادف في الخبر المنشور ما يلمّحُ إلى هذا الخلاف. كل ما ذُكر هو أن صديقه مات إثر مرض ناتج من لدغة الثعبان.
صحبة الموتى
من المعلوم بأنَّ تماسك النص الروائي يتوقف على تنظيم عنصر الزمن، وترتيب المؤشرات الزمنية، ناهيك عن تحديد موقع الشخصيات والدفع بها وفق ما يتطلبُ تطور الحدث. وهذا ما ينتهجه هنري جميس بالإتقان، إذ يتمُ استدعاء شخصية السير أكتون هيغ تحضيراً للانتقال إلى محور آخر من الرواية. يُقدَّر لجورج بعد عودته من المقبرة الذهاب إلى معبد واقع في مكان مُهجور، وما إن وصل إليه حتى أعجبه المكان المُحتفظ بهالة قداس قد أقيم للتو. إستأنس بكل ما رأه في الكنيسة واكتسب إحساساً بالتواصل مع امرأة غارقة في حدادها. تمنى أن ينكبّ مثلها في صلاة عميقة. يختارُ جورج مصلى يزينه بالشموع الموقدة لأرواح موتاه. بهذا ينضاف هدف جديد إلى قائمة مشاغله. وبمرور الوقت يزداد عدد الشموع المؤشرة إلى غياب أشخاص آخرين. لكن تجاهل العابدُ في مصلاه ذكرى أكتون هيغ. 
بموازاة قيام جورج بطقوسه، تتطور علاقة الأخير بالمرأة المُلفعة بالسواد. وكان يخمّنُ بأنَّ المحن قد تعاقبت على تلك المرأة البائسة وأصحبت مُحاصرة بالأحزان. وعندما يحضرُ في حفلة موسيقية يصادفُ وجود المرأة ذات زي أسود في القاعةِ، ويتبادلُ الاثنان الكلام عليه، يشعر جورج بأن ثمة دافعاً جديداً لزيارة مُصلاه إضافة إلى إحياء طقوسه، غير أنَّه لم يرتح بتسرّب رغبة التواصل مع المرأة إلى طقوسه الخاصة، لذا يُحجمُ عن زيارة المعبد لمدةٍ، وحين يلمسُ طريقه من جديد نحو مكانه الأثير يلاحظ غياب تلك المرأة. يشوبُ ألمٌ طقوسَه نتيجة تواريها عن الأنظار، ولم يسألْ أحداً عن السبب وراء اختفاء المرأة رغم ما استغرقهُ الغيابُ من أشهرٍ. ومع ظهورها في المعبد تشهدُ العلاقة بين الجانبين منحى آخر، إذ يصاحبها في النزهات، ويعرفُ بأنها تعيشُ في كوخ بسيط برفقة عمتها المسنّة. يتابعُ الراوي انعكاس صورة المرأة لدى سترانسوم الذي يتخيلها دوقة مُطلقة أو مُعلمة تعطي دروس العزف على القيثارة.  

Literary criticism
قادرات على الحب وهنّ يتعذبنَّ

المفاجأة
يستغربُ جورج سترانسوم بأنَّ حداد المرأة كان من أجل ميت واحد، وذلك ما تعلنه عفوياً. وما أنْ تدرك وقع ما قالته على الرجل حتى تشيد بقائمته وما تضمه من الموتى. تنفردُ الشخصيتان بفضاء العمل، ويرصدُ الراوي أطوار العلاقة بينهما إلى أن تصبحَ المرأةُ مستأثرةً بنصيب أوفر من المساحة. يُذكر أن التبئيرَ في الرواية خارجيّ، ويكونُ التركيزُ في البداية على الرجل، وينسحبُ الأخير مع استمرار السرد لصالح المرأة التي تمتهن الكتابة باسم مستعار، ولا نعرف اسمها الحقيقي، ولا ما تنشر به المقالات. ويوصي سترانسوم صديقته على مصلاه مطالباً إياها بإيقاد شمعة عندما يحلّ أجله. تبدأُ حلقة أخرى من الرواية بعد رحيل العمة المسنة، وهذا ما يعقبهُ حدث يشدّ أطراف النص إلى بعضه وهو زيارة سترانسوم إلى كوخ صديقته الكاهنة. هنا يتفاجأُ بوجود صورة صديقه الراحل أكتون هيغ في غرفتها الحافلة بالذكريات والأشياء البسيطة، وهنا يفهم بأن المرأة نذرت حياتها لذكرى صديقه القديم. 
وفي هذا المفصل يدور الحوار بين صديقين حول الغائب هيغ ويتأكدُ سترانسوم بأنَّ الراحل لم يتحدثْ عنه، والملفتُ في هذا الإطار رفض المرأة أن تبوحَ بتفاصيل علاقتها مع أكتون هيغ، وتعبّرُ بجملة عن حبها الشديد لهيغ ومعاناتها معه في آن واحد "إن النساء ليست كالرجال، إنَّهنَّ قادرات على الحب وهنّ يتعذبنَّ". 
يتواصل الحوار بين الاثنين وتسأله المرأة عن شمعة هيغ من بين شموع مذبحه. تبلغه بأنَّه لن يحيي ذكراه. هنا تتخذُ العلاقة بين شخصين مساراً مُعاكساً، وتغيب المرأة من المعبد إلى أن تتزامن عودتها مع تلفظ سترانسوم لإنفاسه الأخيرة على كنف المذبح. وقبل ذلك تصالح مع ذكرى صديقه بإيقاد شمعة، وعانق طيفاً مبتسماً لماري. 
ما تستخرجُ به في الصفحات الأخيرة أنَّ الثيمات الأساسية التي ينهض عليها النص هي الذكرى والتسامح والحنين، هذا عدا عن الحزن الساكن في ضوء الحب.