مسيحيو العراق يطالبون بتمثيل حكومي حقيقي وعادل

كتلة 'صويانا' المسيحية تطالب بمسار جاد لتشكيل الحكومة ينطلق من مبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية والتمثيل المنصف لجميع مكونات الشعب العراقي.
مطالب بتشريعات تحمي الخصوصية الدينية والثقافية للمسيحيين
نظام الكوتا يمنح المسيحيين عددا محددا من المقاعد في البرلمان
المسيحيون غالبا يحصلون على حقائب محدودة التأثير

بغداد – عاد ملف التمثيل المسيحي في العراق إلى الواجهة، بعد مطالبة كتلة "صويانا" المسيحية النيابية بتشكيل الحكومة الجديدة وفق احترام نتائج الانتخابات وضمان "التمثيل الحقيقي" للمكونات العراقية، في خطوة تعكس استمرار مخاوف المسيحيين من تهميش دورهم السياسي داخل مؤسسات الدولة، رغم اعتماد نظام "الكوتا" الذي يفترض أن يضمن مشاركتهم في الحياة السياسية.

وأكدت الكتلة على رفض "تجاوز الإرادة الشعبية" في توزيع المناصب الحكومية. وقال النائب عن الكتلة كلدو رمزي، خلال مؤتمر صحفي عقده داخل مبنى مجلس النواب إن "الكتلة تتابع باهتمام مسار تشكيل الحكومة الجديدة، وترى أن نجاح هذا المسار مرتبط باحترام إرادة الناخبين، وصون العملية الديمقراطية، والالتزام بنتائج الانتخابات بوصفها التعبير الشرعي عن إرادة الشعب".
وأضاف رمزي أن "الكتلة تدعم تشكيل حكومة قادرة على مواجهة تحديات المرحلة المقبلة، إلا أنها تؤكد في الوقت نفسه أن أي مسار جاد لتشكيل الحكومة يجب أن ينطلق من مبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية، والتمثيل العادل والمنصف لجميع مكونات الشعب العراقي، بعيداً عن التهميش أو الالتفاف على الاستحقاقات الانتخابية".

ويُنظر إلى المسيحيين في العراق باعتبارهم أحد أقدم المكونات التاريخية في البلاد، إلا أن حجمهم الديمغرافي تراجع بشكل كبير خلال العقود الأخيرة نتيجة الحروب والعنف الطائفي والهجرة، ما انعكس بصورة مباشرة على ثقلهم السياسي والانتخابي.

التأثير الحقيقي للكتل المسيحية لا يقاس فقط بعدد المقاعد، بل بقدرتها على بناء تحالفات داخل البرلمان واستثمار موقعها في التوازنات السياسية العراقية المعقدة.

ويحصل المسيحيون في البرلمان العراقي على عدد محدد من المقاعد عبر نظام الكوتا، الذي يمنحهم خمسة مقاعد موزعة على عدة محافظات، إضافة إلى إمكانية فوز بعض المرشحين خارج هذا النظام في حال حصولهم على أصوات كافية.

ورغم أن هذا التمثيل يمنح المسيحيين حضورا دستوريا داخل البرلمان، فإن كثيرين يرون أنه يبقى محدود التأثير بسبب قلة عدد المقاعد مقارنة بالكتل الكبرى الشيعية والسنية والكردية، التي تتحكم بمسار تشكيل الحكومات والتحالفات السياسية.

كما تواجه القوى المسيحية تحديا إضافيا يتمثل في الانقسام السياسي بين عدة أحزاب وتيارات، بعضها يرتبط بتحالفات مع قوى شيعية أو كردية أو سنية، ما يضعف قدرتها على التفاوض كجبهة موحدة للدفاع عن مطالب المسيحيين.

وأشار رمزي إلى أن "تمثيل المكوّن المسيحي في الحكومة المقبلة ينبغي أن يستند إلى الأوزان النيابية الحقيقية التي أفرزتها صناديق الاقتراع، وليس وفق المجاملات السياسية أو الترتيبات التي تتجاوز نتائج الانتخابات".

وتابع إن "المرحلة المقبلة تتطلب حكومة تلتزم بالاستحقاقات الانتخابية، وتُدار بروح الدولة، بما يضمن تمثيلاً حقيقياً لكل المكونات، ويعزز الاستقرار السياسي والثقة بالعملية الديمقراطية في العراق".

ويرى مراقبون أن التأثير الحقيقي للكتل المسيحية لا يقاس فقط بعدد المقاعد، بل بقدرتها على بناء تحالفات داخل البرلمان واستثمار موقعها في التوازنات السياسية العراقية المعقدة.

وفي كثير من الأحيان، تلعب الأحزاب المسيحية دور "الكتلة المرجحة" في بعض التحالفات، خاصة خلال مفاوضات تشكيل الحكومات، إلا أن هذا الدور يبقى محدودا بسبب غياب الثقل العددي الكافي لفرض شروط سياسية كبرى.

كما أن نظام المحاصصة الطائفية والقومية في العراق جعل المناصب السيادية والوزارات الأساسية حكرا عمليا على القوى الكبرى، بينما يحصل المسيحيون غالبا على حقائب محدودة التأثير أو مناصب رمزية، الأمر الذي يدفع بعض القوى المسيحية إلى المطالبة بإعادة النظر في آليات التمثيل السياسي.

ومن أبرز الانتقادات التي تواجه التمثيل المسيحي في البرلمان العراقي، اتهامات متكررة بأن بعض المقاعد المسيحية تُحسم بأصوات ناخبين من خارج المكون المسيحي، نتيجة طبيعة النظام الانتخابي، وهو ما تعتبره قوى مسيحية "تشويها للإرادة الحقيقية" للمسيحيين.

وتقول أحزاب مسيحية إن هذا الأمر يسمح لقوى سياسية كبرى بالتأثير في اختيار ممثلي المسيحيين، ما يضعف استقلالية القرار السياسي المسيحي داخل البرلمان.

في المقابل، يرى آخرون أن المشاركة ضمن التحالفات الوطنية الكبرى تبقى ضرورة سياسية في ظل الواقع العراقي الحالي، وأن الانعزال السياسي قد يؤدي إلى مزيد من التهميش للمكون المسيحي.

ولا تقتصر مطالب المسيحيين في العراق على زيادة عدد المقاعد أو المناصب الحكومية، بل تشمل ملفات أكثر حساسية، مثل حماية الوجود المسيحي في سهل نينوى، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وضمان عودة النازحين، وتعزيز الأمن، ووقف التغيير الديمغرافي في بعض المناطق.

كما تطالب قوى مسيحية بتشريعات تحمي الخصوصية الدينية والثقافية للمسيحيين، وتضمن مشاركتهم الفعلية في مؤسسات الدولة بعيدا عن التمثيل الشكلي.

ورغم استمرار الحضور المسيحي داخل البرلمان والحكومة العراقية، فإن كثيرين يعتبرون أن هذا التمثيل لا يزال أقرب إلى "الرمزية السياسية" منه إلى النفوذ الحقيقي القادر على فرض أجندة خاصة بالمكون المسيحي.

ومع ذلك، فإن تمسك القوى المسيحية بالمشاركة السياسية يعكس إدراكا لأهمية البقاء داخل مؤسسات الدولة وعدم ترك الساحة السياسية، خاصة في ظل التحديات الأمنية والديمغرافية التي تواجه المسيحيين في العراق.

ويبقى مستقبل التمثيل المسيحي مرتبطا بقدرة الأحزاب المسيحية على توحيد مواقفها، وبإجراء إصلاحات انتخابية تعزز استقلالية القرار السياسي للمكونات الصغيرة، بما يسمح بتحويل الحضور البرلماني من مجرد تمثيل رمزي إلى قوة سياسية أكثر تأثيرا في صناعة القرار العراقي.

ودعا رئيس اقليم كردستان نيجيرفان بارزاني الثلاثاء، القوى السياسية الفاعلة إلى منح المسيحيين حقيبة وزارية في الحكومة العراقية المقبلة بهدف تعزيز ثقافة قبول الآخر في البلاد.

وجاء ذلك خلال الزيارة التي أجراها لبغداد حيث استهلها بلقاء البرلمانيين من المكون المسيحي في مجلس النواب العراقي، وقد جرى خلاله التباحث حول أوضاع المسيحيين والتمثيل السياسي للمكونات، وفقا لبيان صادر عن رئاسة الإقليم.