مشاورات عراقية أميركية لتدشين مرحلة جديدة في التعاون الأمني
بغداد - دشَّن العراق والولايات المتحدة مشاورات رفيعة المستوى لتعزيز التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، في خطوة تهدف إلى إرساء أسس مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية. وتأتي هذه المباحثات في وقت تشهد فيه العلاقات الأمنية تحولاً، خاصة بعد بدء واشنطن سحب قواتها من البلد مع إبقاء عدد من المستشارين، في مسعى لمواجهة مخاطر عودة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في سوريا المجاورة.
وعُقدت المباحثات في بغداد يوم الخميس، وشارك فيها مسؤولون أميركيون وعراقيون رفيعو المستوى. ووفقاً لبيان صادر عن سفارة واشنطن في بغداد والناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، فإن هذه المشاورات تندرج في سياق اتفاقية الإطار الاستراتيجي لعام 2008، وتنطلق من المصالح الأمنية الوطنية المشتركة للبلدين.
وأكد الجانبان أن الاجتماعات ستتواصل خلال الأشهر المقبلة، وستركز على تحقيق جملة من الأهداف المشتركة وطويلة الأمد، تشمل: تعزيز القدرات والجاهزية، ودعم وتطوير جاهزية قوات الأمن العراقية، بما في ذلك قوات البيشمركة.
كما تهدف المشاورات إلى تمتين الشراكة في مجال مكافحة الإرهاب على المدى الطويل، والتصدي لمخاطر عودة "داعش" ودعم سيادة العراق وتعزيز الاستقرار الإقليمي. بالإضافة إلى العمل على تمتين العلاقات الاقتصادية بين البلدين بما يحقق فوائد ملموسة للعراقيين.
وتأتي هذه المباحثات في خضم ترتيبات لإنهاء مهام التحالف الدولي في العراق ضد "داعش"، والتحول إلى علاقات أمنية ثنائية، خاصة بعد الاتفاق في سبتمبر/أيلول 2024 على تحديد جدول زمني لانسحاب كامل للقوات الأميركية من البلاد.
ويعكس هذا التوجه رغبة الحكومة العراقية في تأكيد موقفها كشريك أمني مستقل وقادر على إدارة عملياته العسكرية ضد الإرهاب، مع الاستفادة من دعم ومساندة الولايات المتحدة في مجالات التدريب والمشورة.
ويُعتبر هذا المجال حيويًا، حيث ستستمر واشنطن في تزويد بغداد بالمعلومات الاستخبارية الدقيقة التي تساعد في تحديد وملاحقة الخلايا الإرهابية. ومن المرجح أن يشمل التعاون توفير الدعم في مجال المراقبة الجوية والاستطلاع لمساعدة القوات العراقية في عملياتها.
ويُعَدّ التحول في العلاقة بين البلدين، من الشراكة العسكرية المباشرة إلى التركيز على التعاون الثنائي في إطار اتفاقية الإطار الاستراتيجي، فرصة محورية لتعزيز الاستقرار، لاسيما في قطاع الطاقة، في وقت تعتبر فيه الولايات المتحدة التعافي الاقتصادي جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العراقي.
وقد بدأ هذا التغير يتجسد في دخول كبريات الشركات الأميركية العملاقة مثل "جنرال إلكتريك" من خلال عقود طويلة الأمد في مجالات الطاقة، بالإضافة إلى صفقات في مجال البنية التحتية من بينها مشروع تطوير مطار بغداد الذي فاز به ائتلاف تقوده شركة "كوربوراسيون أميركا" للمطارات.
وتعكس الاستثمارات الأميركية رغبة في تحويل العراق إلى شريك اقتصادي هام، وليس مجرد شريك أمني، مما يتطلب تعزيز بيئة جاذبة للاستثمار وداعمة للقطاع الخاص.
ويُعتبر أمن الطاقة عاملاً حاسماً في استقرار البلاد، والشراكة مع الولايات المتحدة تهدف إلى بناء قدرة وطنية مستدامة تقلل من تعرض بغداد للضغوط الإقليمية والجيوسياسية المرتبطة بهذا القطاع الحيوي.
ولا يمكن فصل هذين الملفين، فكلما زاد استقرار الوضع الأمني في العراق، قلَّت مخاطر الاستثمار، مما يفتح الباب أمام تدفقات أكبر للاستثمار الأجنبي المباشر، وتحديداً الأميركي. بهذا المعنى، فإن النجاح في بسط الأمن ودحر الإرهاب، هو شرط أساسي لنجاح التحول الاقتصادي وتعزيز دور البلد العضو في منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك"، في سوق الطاقة العالمي.