مصادفة أن تكون أنثى

الذات الشاعرة تحضر في نصّ سهى سلوم عن طريق التكرار المقطعي "مصادفة أن أكون أنثى .. " للتأكيد على هذه الذات ولتزيّين النسيج الشعري لديها.


نصّ كتبته أنثى تحاول أن تجد لها مكانا مناسبا في خضم هذا العالم الشعري وتأكيد حضورها


الشاعرة حاولت أن تؤكد على جنوسيتها، فجاءت المقاطع النصّية الشعرية عبارة عن حالات طَلْقْ وآلآم شديدة مستمرة

تحضر الذات الشاعرة في هذا النصّ وبقوّة عن طريق التكرار المقطعي "مصادفة أن أكون أنثى .. " للتأكيد على هذه الذات ولتزيّين النسيج الشعري لديها وإضفاء حالة جمالية حاولت الشاعرة تحقيقها عن طريق هذه الصورة التي سترافق ذهن المتلقي كلّما أوغل في النصّ. فلقد حاولت ان تجعل من نصّها هذا عبارة عن مقاطع متعددة تبدأ بـهذه العبارة التي اختارت أن تجعلها عنوانا ليس للنصّ فقط، وإنما لهذه المقاطع النصيّة من أجل ربط هذه المقاطع مع بعضها البعض، وجعل الجو العام للنصّ مستمرا على نفس الوتيرة مشحونا بهذا الإيحاء والتدفق الشعوري النفسي حين يجد المتلقي يعيش في أجواء داخل النصّ هذا من جهة ومن جهة أخرى لخلق إيقاعا موسيقيا يتطور بسرعة تطور النصّ.
إنّنا أمام نصّ كتبته أنثى تحاول أن تجد لها مكانا مناسبا في خضم هذا العالم الشعري وتأكيد حضورها الشعري، لذا فإنّ كل مفردة في هذا النصّ تبقى لغزاً يحتاج إلى قراءة يقف عندها المتلقي، لما تحمل من رؤى ورمزية ودلالات تخصّ الأنثى كونها تحاول الابتعاد كثيرا عن السلطة الذكورية وإثبات إبداعية الكينونة الأنثوية ورسم خلجات نفسها وتطلّعاتها والخروج من دائرة التهميش.
هل الإنسان يأتي إلى هذا العالم وهو يعلم بأن جنسه سيكون / ذكراً أو إنثى / أم هي المصادفة أو بدون قصد ..؟ في محاولة من الشاعرة أن تقول لنا إّنها لم تأت الى هذا العالم باختيار إنوثتها، وبأنّ العناية الإلهية هي التي صيّرتها إنثى، فكان لا بدّ لها من أن تتحمّل هذه الأنوثة وتقوم بأعبائها والتسليم بهذه المصادفة التي أوجدتها أنثى.

الشاعرة ترسم لنا الأجواء المفعمة بالحرية والجمال والألوان الزاهية، معبّرة عمّا تعيشه من حالة الفرح والثراء الجمالي وراسمة لنا هذه الصورة المتحركة ما بين الرقص والحانات  والأثواب الملوّنة الزاهية

هذا ما حاولت الشاعرة أن تقوله في نصّها الذي نحن بصدد قراءته وإضاءة بعض جوانبه. أرى أنّ الشاعرة حاولت أن تؤكد على جنوسيتها، فجاءت هذه المقاطع النصّية الشعرية عبارة عن حالات طَلْقْ وآلآم شديدة مستمرة تزداد شيئاً فشيئاً كما هي في حالة الولادة، وتدفق إبداعي تشبه الأنقباضات التي تعاني منها المرأة في الأشهر الأخيرة من الحمل، وهذا ما يعزّز كون أنّ لحظة الكتابة الشعرية تشبه حالة الولادة، بسبب المعاناة والآلام والمخاض. 
لهذا جاء نصّ الشاعرة سهى سلوم خصباً بروح الأنثى وليس بروح المرأة. لأن المفهوم الدلالي لمفردة "الأنثى" يختلف كثيرا عن مفهوم "المرأة"، لأنّ مفردة "الأنثى" توحي بالجسد الأنثويّ (الجانب النفسي) وبكل ما يعني من سحر وجمال ودلالة ورمزيّة وخيال وتمرّد وتحرّر من عبودية هذا الجسد الذي يرهق الذات / الأنثى،  ويجعلها دائما تعيش في صراعات مستمرة وكبت وحرمان في عالم تحكمه التقاليد والاعراف، وتعترف بكينونة هذا الجسد والإنصات لمعاناته المستمرة. بينما تعني مفردة "المرأة" المسؤلية والحضور الفعلي والمثمر داخل الأسرة وبكل ما يترتب عليها من هذا الحضور (الجانب الفسيولوجي). 
فمثلاً نقرأ للشاعرة هذا المقطع:
مصادفة أن أكون أنثى ...
لأن الرقص خلق لي 
والحانات 
وأثواب الغجر.
ترسم لنا هذه الأجواء المفعمة بالحرية والجمال والألوان الزاهية، معبّرة عمّا تعيشه من حالة الفرح والثراء الجمالي وراسمة لنا هذه الصورة المتحركة ما بين الرقص والحانات  والأثواب الملوّنة الزاهية.
ثم نقرأ لها هذا المقطع:
مصادفة أن أكون أنثى ...
لأكون عكس المقدس
أسرقه في اليوم السابع 
وأسحره 
هكذا علمني أهلي الغجر.
حين تصوّر لنا تمرّد الذات ومحاولتها الخروج والإنفلات من دائرة المقدّس والذهاب بعيدا إلى عالم المدنّس، التمرّد على سلطة التابوات التي تثقل كاهل أنوثتها وتحاول تقيّدها بسلاسل التقاليد والأعراف، والذهاب بنا الى عوالم الغجر حيث الحرية المطلقة والمرح والموسيقى والرقص. وهنا تشير الشاعرة إلى قصة أسطورة "ليليث" حواء الأولى التي تمرّدت وهربت من سلطة آدم، وأصبحت تعيش في البراري والوديان، غايتها سرقة الرجال وغوايتهم، فأعطت للنصّ بُعداً دلاليا تناسب طرديا مع فكرة النصّ.
أما في هذا المقطع:
مصادفة أن أكون أنثى ....
لأني تفاحة 
تكسر شر الغواية 
وتسقط سؤال الرب 
عن سياج المحرم.
فإنّ الشاعرة تأخذنا إلى حواء المصنوعة من ضلع آدم، وتستحضر قصة الخطئية الأولى في تاريخ البشرية، وعدم إطاعة أوامر الربّ فكان أن خرجا خارج أسوار الجنّة والنزول إلى حيث الآلام والمتاعب والشقاء واللعنة.
أما في هذا القطع:
مصادفة أن أكون أنثى ...
لأني بعكس الحجر 
من نبيذ وقهوة 
وشهوة غزال لطراوة العشب.
تشير إلى ينابيعها الطرية والمتدفقة بالنماء والخير والشهوة، هكذا تشكف لنا عن مكنوناتها بلغة مشفّرة تعكس حالتها النفسية ودواخلها الثريّة، عن طريق لغة شبقية شفّافة طريّة.
وتختتم الشاعرة حالة "الطَلْقْ" عندها بهذا المقطع:

مصادفة أن أكون أنثى ...
لأكون الحب 
وأطفئ شبق الحرب 
وأروّض ذكر النحل 
لأشعل الشهوة 
على جدار المعبد.
أنا والهزيمة أنثى 
أنا والسفينة أنثى 
والبحيرة 
أنا والمرآة أنثى 
والفضة 
وأنا ضده.
لتعلن لنا بأن الحبّ صلاح الأرض، وأنّ الحياة تزدهر وتقوى متى ما توفر الحبّ على هذه الأرض، لتعلن وبصوت جلي بأنّها مصدر هذا الأمان والخير والسعادة، وأنّ هذا الحبّ سيوقف نزيف الحروب ويطفىء نيرانها، وأنّها قادرة على ترويض الرجل بما تمتلك وبما وهبتها السماء من صفات لا توجد إلاّ في الأنثى. وأنّ دلالات المفردات التالية: الحرب والشهوة والهزيمة والسفينة والبحيرة والمرآة والفضة؛ كلها مفردات مؤنثة تدلّ صراحة على أجزاء في جسدها الأنثوي.
استطاعت الشاعرة سهى سلوم عن طريق هذا التراكم الصوري المتنوع أن تقطف ثمار هذا النصّ، حينما خلقت لنا هذا التمركز الجميل حول الذات الانثوية، فكانت القصية أنثى حقيقية تتحرّك وتتنفس وتمشي أمامنا.
النصّ:
مصادفة أن أكون أنثى ...
لأن الرقص خلق لي 
والحانات 
وأثواب الغجر.
مصادفة أن أكون أنثى ...
لأكون عكس المقدس
أسرقه في اليوم السابع 
وأسحره 
هكذا علمني أهلي الغجر.
مصادفة أن أكون انثى ....
لأني تفاحة 
تكسر شر الغواية 
وتسقط سؤال الرب 
عن سياج المحرم.
مصادفة أن أكون أنثى ...
لأني بعكس الحجر 
من نبيذ وقهوة 
وشهوة غزال لطراوة العشب.
مصادفة أن أكون أنثى ...
لأكون الحب 
وأطفئ شبق الحرب 
وأروض ذكر النحل 
لأشعل الشهوة 
على جدار المعبد.
أنا والهزيمة أنثى 
أنا والسفينة أنثى 
والبحيرة 
أنا والمرآة أنثى 
والفضة 
وأنا ضده.