مصر تحتوي أزمة ثقة بين مشتري الحبوب الحكومي والتجار العالميين
القاهرة - لأكثر من سبعة عقود، اعتمدت مصر، إحدى أكبر مستوردي القمح في العالم، على نظام المناقصات العلنية الشفاف لتأمين رغيف الخبز المدعوم لعشرات الملايين من مواطنيها، مما جعل القاهرة معياراً مهماً للأسعار العالمية. لكن هذا الاستقرار اهتز مؤخراً مع تحول مفاجئ في استراتيجية الشراء. فقد أثار جهاز "مستقبل مصر"، المشتري الحكومي الجديد المرتبط بالجيش، قلقاً واسعاً في أوساط تجار الحبوب العالميين، متخلياً عن نظام المناقصات لصالح التعاقد المباشر. هذا التحول، بالإضافة إلى مشكلات في السداد وإعادة التفاوض، أدى إلى توترات تجارية غير مسبوقة، كان من نتائجها انخفاض حاد في واردات القمح، بينما تسعى مسؤولة حديثة التعيين إلى استعادة المصداقية.
وقال ستة متعاملين لدى موردين عالميين للقمح والزيوت النباتية إن التأخر في السداد والمحاولات المتكررة من جهاز "مستقبل مصر" لإعادة التفاوض على الأسعار أو إلغاء تعاقدات متفق عليها اعتبرها المتعاملون على نطاق واسع تخلفا عن السداد، والذي لم يحدث من جانب الهيئة العامة للسلع التموينية.
وذكرت مصادر تجارية وفي قطاع الحبوب أن الجهاز يواجه مشكلات نتيجة التوترات التجارية المتزايدة التي قلصت في وقت سابق من هذا العام واردات البلاد من القمح، وأن مسؤولة حديثة التعيين تسعى إلى استعادة المصداقية.
وظلت مصر على مدى عقود تعتمد على نظام المناقصات العلنية لتأمين الإمدادات لبرنامج دعم الخبز لعشرات الملايين من المصريين، والذي يُعد ركيزة للاستقرار الاجتماعي. وتجعل هذه المشتريات الضخمة مصر واحدة من أكبر مستوردي القمح في العالم ومعياراً للأسعار العالمية.
تأخر في السداد و"تخلف عن السداد"
وأوضح ألكسندر كارافايتسيف، الخبير الاقتصادي الكبير في المجلس العالمي للحبوب، أن "التحول إلى التعاقدات بالأمر المباشر تحت نظام جهاز مستقبل مصر أدى إلى تقليص الشفافية في السوق، ومن المحتمل أن يكون قد أبطأ إبرام الصفقات، مما قد يكون قد أثنى بعض الموردين".
مسؤولة سابقة تعيد الثقة للموردين
وفي الأسابيع القليلة الماضية، استأنف بعض الموردين العالميين المبيعات للمشتري الحكومي الجديد بعد تعيين المسؤولة السابقة في الهيئة العامة للسلع التموينية يسرية يسري محمد للإشراف على المشتريات الدولية، حسبما قال ثلاثة من المتعاملين لرويترز.
وأفاد المتعاملون أن المسؤولة حديثة التعيين في جهاز مستقبل مصر كانت تحظى بالاحترام لديهم وتعاملوا معها كثيراً في هيئة السلع التموينية، مما أضفى مستوى من الألفة والمهنية التي اعتادوا عليها في السابق. وتابعوا أن تعيينها ساعد على استعادة الثقة، إذ قال بعض الموردين إن الالتزام بالسداد بدأ منذ ذلك الحين وكذلك الوفاء بالتعاقدات.
تراجع واردات القمح ومخزون شهر واحد
وأشارت بيانات الشحن والتجارة إلى أن مصر استوردت حوالي 5.2 مليون طن من القمح في النصف الأول من 2025، أي أقل بمقدار الربع عن الفترة نفسها من العام الماضي. وانخفضت حصة الحكومة من تلك الواردات بأكثر من النصف إلى نحو 1.6 مليون طن.
وقال متعامل وشخص على دراية مباشرة بالأمر إن مخزونات مصر من القمح تراجعت في وقت ما في أبريل/نيسان إلى كمية تكفي ما يزيد قليلاً على شهر واحد من الاستهلاك. وكان هذا أقل بكثير من هدف الحكومة للاحتفاظ بمخزون يكفي لستة أشهر، وقد تمت إعادة بناء الاحتياطي عند توريد المحصول المحلي في وقت لاحق من الشهر نفسه.
وتوقع كارافايتسيف أن تتعافى واردات مصر في النصف الثاني من العام، ورجح أن يتقلص محصول البلاد في الموسم المقبل، وهو ما سيكون اختباراً حقيقياً لجهاز مستقبل مصر.
وعلى الأمد الطويل، تسعى القاهرة إلى تقليل اعتمادها على واردات القمح، لكن أي انخفاض مفاجئ قد يعرضها لتقلبات الأسعار العالمية. وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصادية متزايدة، ويقول منتقدون إن اعتماد الرئيس عبدالفتاح السيسي المتزايد على الشركات التي يديرها الجيش يزاحم استثمارات القطاع الخاص.