مصر تحذر إسرائيل من تداعيات استهداف حماس على أراضيها

خبراء يؤكدون أن العلاقات المصرية الإسرائيلية تمر بمرحلة هي الأشد توتراً منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد للسلام.

القدس/القاهرة - كشفت قناة "كان" العبرية، في تقرير لافت، عن رسالة تحذيرية شديدة اللهجة بعثتها مصر إلى الولايات المتحدة، على خلفية الهجوم الإسرائيلي الأخير في العاصمة القطرية الدوحة، والذي استهدف وفدًا تابعًا لحركة "حماس" خلال جولة من مفاوضات الهدنة. وأكدت مصر في رسالتها أن أي استهداف لعناصر حماس على الأراضي المصرية سيقود إلى "تداعيات كارثية"، في مؤشر واضح على تصعيد غير مسبوق في العلاقات المصرية الإسرائيلية.
الرسالة المصرية، التي كشفت تفاصيلها القناة الإسرائيلية، جاءت في ظل مخاوف متزايدة من أن تقدم إسرائيل على محاولة استهداف ممثلين عن حماس إذا دخلوا إلى القاهرة في سياق استئناف محادثات وقف إطلاق النار. وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن مصر باتت ترى في الضربات الإسرائيلية خارج غزة تجاوزاً للخطوط الحمراء، خصوصاً عندما يهدد ذلك أمنها القومي أو سيادتها.
الهجوم على الدوحة – الذي نددت به عدة عواصم عربية ودولية – شكل منعطفًا خطيرًا في مسار الوساطات التي تقودها مصر وقطر بين إسرائيل وحماس. ويبدو أن القاهرة تخشى انتقال هذا النمط من التصعيد إلى أراضيها، في حال عادت وفود المقاومة الفلسطينية إلى طاولة المفاوضات على أرض مصرية.
الخشية الأكبر في مصر، بحسب ما تسرب عن دوائر صنع القرار، تتمثل في تكرار الاستهداف الإسرائيلي للوفود السياسية داخل الأراضي العربية، الأمر الذي سيُعدّ اعتداءً مباشراً على السيادة المصرية ويضع المنطقة على شفا مواجهة إقليمية أوسع.
وفي السياق ذاته، أشارت وسائل إعلام إسرائيلية، منها موقع "ميكوميت"، إلى أن العلاقات المصرية الإسرائيلية تمر بمرحلة هي الأشد توتراً منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد للسلام عام 1979. وذكر الموقع أن الشارع المصري، إلى جانب النخبة السياسية، يعيش حالة "غليان" حيال السياسات الإسرائيلية الأخيرة، خصوصًا تلك التي تنطوي على محاولات تهجير سكان غزة إلى سيناء، وهو ما تعتبره القاهرة خطًا أحمر لا مجال للتفاوض حوله.
وتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بشأن فتح معبر رفح والسماح بخروج الفلسطينيين، فُسّرت في مصر على أنها مقدمة لمخطط تهجير جماعي، أثار ردود فعل عنيفة في الأوساط الإعلامية والرسمية.
وسارعت وزارة الخارجية المصرية بإصدار بيان شديد اللهجة رفضت فيه تصريحات نتنياهو، وأكدت أن مصر ترفض رفضًا قاطعًا استخدام أراضيها كمعبر أو محطة لتصفية القضية الفلسطينية. هذا الموقف حظي بدعم إقليمي، أبرزها من الأردن والإمارات، اللتين أعربتا عن رفض تكرار سيناريو التهجير القسري بحق الفلسطينيين.
وفي تصريحات لوسائل إعلام عربية، أبدى مسؤولون مصريون مخاوف من أن تتحول أزمة غزة إلى حرب إقليمية مفتوحة، إذا استمرت إسرائيل في تحدي الإرادة العربية وتهديد أمن الدول المجاورة.
وقد تحدثت تقارير إسرائيلية عن تحركات عسكرية لافتة للجيش المصري في سيناء منذ ديسمبر/كانون الاول 2023. وتتضمن هذه التحركات تعزيزات عسكرية، وبنية تحتية دفاعية، وتدريبات نوعية على مواجهة جيوش متقدمة. ويُفسَّر هذا التحرك كرسالة واضحة بأن القاهرة لا تتهاون في حماية حدودها.

الحشود العسكرية المصرية في سيناء تخيف اسرائيل
الحشود العسكرية المصرية في سيناء تخيف اسرائيل

وبحسب مصدر سياسي إسرائيلي تحدّث لموقع "ميكوميت"، فإن زيارته الأخيرة لسيناء كشفت له عن "تحول ملحوظ" في المزاج الشعبي المصري تجاه إسرائيل، واصفاً ما لمسه بـ"العداء الصريح والاستعداد الشعبي للوقوف خلف القيادة في حال نشوب حرب مع إسرائيل".
الخطاب الإعلامي الرسمي في مصر شهد تصعيدًا غير مسبوق. فالإعلامي عمرو أديب، المعروف بقربه من دوائر القرار، صرّح بأن "مصر مستعدة للحرب، وأن إسرائيل ستتكبد خسائر جسيمة إذا تمادت".
أما ضياء رشوان، رئيس هيئة الاستعلامات الحكومية، فوصف نتنياهو بأنه "رجل اليمين التوراتي"، مؤكداً أن مصر لن تسمح بتهجير الفلسطينيين، وأن موقفها ليس شعارات بل استراتيجية مدعومة بقدرات عسكرية.
وتم تداول صور للرئيس عبدالفتاح السيسي وهو يتفقد وحدات الجيش ويشرف على تدريبات لدبابات مشابهة للميركافا الإسرائيلية، انتشرت على نطاق واسع، واعتُبرت رسائل ردع مباشرة لتل أبيب.
في المقابل، يشير مراقبون إلى وجود انقسام داخل مؤسسات الدولة المصرية حول العلاقة مع حماس. البعض يرى أن الحركة تشكل تهديداً أمنياً، ويطالب بنزع سلاحها، بينما يرى آخرون أن حماس جزء من المعادلة الفلسطينية ولا يمكن تجاهلها.
ومع ذلك، يتفق الطرفان – وفق التقرير الإسرائيلي – على رفض الضغوط الإسرائيلية والأميركية لفرض سيناريو التهجير، وعلى الغضب العارم من الجرائم الإسرائيلية في غزة، سواء كانت تلك الأطراف مقرّبة من النظام أو من المعارضة.
ورغم التعاون الاقتصادي بين مصر وإسرائيل، خاصة في مجال الغاز، يرى مراقبون أن هذه العلاقات لا تعوّض فقدان الثقة الاستراتيجية المتزايد. ووصفت التقارير صفقة الغاز بأنها "رمزية في معظمها"، ولا تعكس تغيّراً حقيقياً في المواقف السياسية أو العسكرية.
وفي موقف لافت، شن الكاتب الإسرائيلي تسيفي برائيل هجومًا عنيفًا على نتنياهو، واتهمه بأنه يستخدم الحرب في غزة كأداة لكسب الوقت سياسياً، ويغامر بإشعال صراع مع مصر، معتبرًا ذلك "أحد أكبر الأخطاء الاستراتيجية" في تاريخ إسرائيل الحديث.
في ظل تصاعد العداء الشعبي، والمواقف الرسمية الحادة، والتحركات العسكرية على الأرض، يبدو أن العلاقات المصرية الإسرائيلية تمر بمرحلة شديدة الهشاشة، قد تتطور إلى مواجهة إقليمية إذا استمرت تل أبيب في تجاهل التحذيرات المصرية.
مصر، التي كانت تاريخيًا وسيطًا رئيسيًا في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، باتت اليوم ترفع سقف موقفها السياسي والأمني، وتؤكد عبر رسائلها إلى واشنطن وتل أبيب أن التلاعب بالأمن القومي المصري سيقابل برد لا يمكن التنبؤ بعواقبه.