مصر تخلع النقاب في الثورة المعقدة

أحمد محمد عبده يتناول بالبحث والتحليل والتأريخ تجربة حكم الإخوان في مصر والثورة عليهم.


ثورة 30 يونيو قامت خصيصاً، لإزاحة الدجل والغيبوبة الدينية المسيطرة على عقول الغالبية العظمى من الناس


الكتاب يعرض لتراكمات الثقافية الشعبية في المجتمع المصري، ويقدم تفسيرا لأسباب الثورات الشعبية

القاهرة ـ كتاب سياسي للكاتب المصري أحمد محمد عبده، صدر عن الهيئة العامة للكتاب، وهو الكتاب الثالث للكاتب فيما يخص المرحلة الحرجة التي تعيشها الأمة "ثورة يناير والبحث عن طريق"، و"حاخامات الدم في الشرق الأوسط". 
"مصر تخلع النقاب" يتناول بالبحث والتحليل والتأريخ تجربة حكم الإخوان في مصر والثورة عليهم، ويؤكد الكتاب أن الثورة على تيار الإسلام السياسي؛ هى ثورة على التركيبة الثقافية والنفسية للشعب، قبل أن تكون ثورة على حاكم وعلى نظام حكم، استشعرها الشعب مبكرا، لإزاحة الدجل باسم الدين، عن العقلية المصرية، واقتلاع جذور التدين الشعبي المريض، الذي سيطر على عقليات المصريين وعلى سلوكياتهم عبر تاريخ طويل، مما جعلهم يقعون فريسة لكل من يتاجر بالشعارات الدينية، وعن ثورة 30 يونيو فهي ثورة معقدة ومتشابكة، تتقاطع فيها خيوط كثيرة، منها احتضان أميركا ودعم أوروبا للإخوان وللجماعات الإسلامية المسلحة، ومؤامرات التنظيم الدولي للإخوان في الخارج ضد مصر، واتصاله بمكتب الإرشاد في الداخل، وخضوع الرئيس مرسى لتعليمات مكتب الإرشاد، وارتباط الإخوان بتحقيق مصالح الغرب، والاستعانة بأذرع عسكرية خارجية ذات صبغة إسلامية للتدخل لحمايتهم عند محاولة خلعهم من الحكم، كحركة حماس وتنظيم القاعدة وحزب الله والحرس الثوري الإيراني، وتكوين خلايا مسلحة في سيناء؛ يقوم الجيش المصري بإبادتهم منذ إزاحة حكم الإخوان، والسعى لتكوين ميليشيات مسلحة، كجيش موازٍ لجيش الدولة، ودول تقوم بدور المحرك مثل أميركا وأخرى بدور الممول والمدبر مثل قطر وتركيا وإيران، وقنطرة لتوصيل السلاح والمال والرجال عبر السودان، وإعلام العقارب السامة كقنوات الجزيرة القطرية وغيرها، والآلاف من أعضاء الجماعة والموالين لهم؛ "الفرشة الواسعة" من المتعاطفين معهم من عامة الناس، يبثون سمومهم في شرايين الدولة، ويصوبون بنادقهم في وجه الشعب، وتآمر الكثير من ثوار يناير لحساب الإخوان ضد إرادة الملايين التي خرجت، انتقاما من الدولة التي أبعدتهم عن الساحة.   
لقد قامت ثورة 30 يونيو خصيصاً، لإزاحة الدجل والغيبوبة الدينية المسيطرة على عقول الغالبية العظمى من الناس.
يعرض الكتاب لتراكمات الثقافية الشعبية في المجتمع المصري، يقدم تفسيرا لأسباب الثورات الشعبية، القهر والظلم والاستبداد، في مصر أشعلتها كوادر مدنية مدربة، تبناها تيار الفوضى الخلاقة، مولتها قوى إقليمية حاقدة، حركتها أميركا، لتأتي بقيادات جديدة بدلا من القادة الذين شاخوا، وأخذت منهم كل ما تريد، كما يقدم الفرق بين الثورة والانقلاب العسكري، وتحليلا للمبدأ الإسلامي الذي من شأنه حفظ الدماء وهو "خلافة المتغلب"، والذي يتجاهله تيار الإسلام السياسي الطامع في السلطة.    

الثورة على حكم التيار الديني؛ هي ثورة على التركيبة الثقافية والنفسية للشعب، قبل أن تكون ثورة على حاكم وعلى نظام حكم ... لقد أنتج المسلمون من الفتاوى أكثر مما أنتجوا من الفكر

جاء الكاتب بمجموعة من العتبات التي تُلخِّص جوهر كتابه، والفكرة التي يريد أن يصدرها لنا: 
* عتبة أولى: مقولة حسن الهضيبي المرشد الثاني لجماعة الإخوان، وذلك في مقال له منشور بمجلة المصور في أكتوبر 1952 "لو وصلنا للحكم فلن نتخلى عند أبدا". 
*عتبة ثانية: للإمام محمد متولي الشعراوي "أنا مسلمٌ قبل أن أعرف الإخوان، وأنا مسلمٌ بعد زوالهم، ولن يزول إسلامي بدونهم، وجماعة الإخوان حزبٌ سياسي يمثل الفكر السياسي لهم، وليس له علاقة بالدين، لهذا أتمنى أن يصل الدين إلى أهل السياسة، ولا أن يصل أهل الدين إلى السياسة، وأقول لهم إن كنتم أهل دين فلا جدارة لكم بالسياسة، وإن كنتم أهل سياسة فمن حقي ألا أختاركم ولا جناح على ديني". 
* عتبة ثالثة: وهي قول هنري  كيسنجر وزير خارجية أميركا الأسبق: "نحن نُريد مصر هكذا؛ لا هي غرقى، ولا هي راسيةً على البر".
* عتبة رابعة: قول ابن خلدون إذا عرضت قضية على العامة وتريد أن يتقبلوها فغلفها بالدين.
* عتبة خامسة: قول العالم العراقي على الوردي: "لو خيروا العرب بين دولتين دولة دينية ودولة علمانية.. لصوتوا للدولة الدينية وذهبوا للعيش في الدولة العلمانية". 
استخدم الكاتب في الفصل الأول "ستون عاما ولكل عصر رائحته" أسلوب تلغرافي مُشوق، حشد ورصد كل الأحداث والشخصيات والمعلومات في الفترة من ثورة 1952 حتى ثورة يناير 2011، فنراه مثلا يبدأ مرحلة عبدالناصر بهذه العبارات المنفصلة المتصلة في أسلوب مشوق "بسم الأمة: تُؤمَّمُ الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية، الشعب يعلن أنه فداء للوطن ولرمز الثورة في عدوان ثلاثي على مصر، بريطاني فرنسي إسرائيلي عام 1956، جاب سلاحه، دباباته،  طياراته،  غواصاته، ولم تكن مصر قد فرحت بثورتها بعد، الخطبة الشهيرة للزعيم من فوق منبر الجامع الأزهر: إذا كُتب علينا القتال فإننا سنقاتل، سنقاتل، سنقاتل من شارع إلى شارع، ومن قرية إلى قرية ...، الشاعر عبدالله شمس الدين والمجموعة في الله أكبر فوق كيد المعتدي، والله للمظلوم خير مؤيد، أنا باليقين وبالسلاح سأفتدي، بلدي ونور الحق يسطع في يدي. الإنذار الروسي يجبرهم على الرحيل، أنطوني إيدن رئيس وزراء بريطانيا، الشاعر كمال عبدالحليم والمطربة فايدة كامل: دع سمائي فسمائي محرقة / دع قنالي فمياهي مغرقة / الشهيدان جواد حسني البطل المصري وجول جمال البطل السوري في حرب عام 56، صان الحجر ومديرية التحرير والوادي الجديد، الفريق إبراهيم عبود رئيس السودان، الرئيس الروسي نيكيتا خروشوف وأندريه جروميكو وزير خارجية السوفيت، خُطب الزعيم عصرًا ومواويل محمد طه والسيد حواس مساءً، وأم كلثوم في السهرة".
ومرحلة أنور السادات يبدأها بالرئيس المؤمن، وفترة مبارك بالكفن ليس له جيوب.
 ركز أحمد عبده على أن الثورات العربية من 2011 جاءت وفقا لمخطط أميركي صهيوني لتفكيك المنطقة إلى كنتونات صغيرة ضعيفة حول الكانتون الأكبر "إسرائيل"، وإعادة تشكيل المنطقة على أساس طائفي قبلي مذهبي عشائري لاستغلال مواردها.
ويعرض الكاتب خطة وصول الإخوان للحكم، التي كانت بمباركة  الرئيس الأميركي باراك أوباما، لدرجة أن يطلق عليه الكاتب في عنوان جانبي "أوباما .. المرشد التاسع للإخوان". 
ونختتم بالعتبة السادسة لجوهر الكتاب وهي قول الكاتب "الثورة على حكم التيار الديني؛ هي ثورة على التركيبة الثقافية والنفسية للشعب، قبل أن تكون ثورة على حاكم وعلى نظام حكم ... لقد أنتج المسلمون من الفتاوى أكثر مما أنتجوا من الفكر".