مصر ترفع اللاءات الثلاث في معادلة ادارة غزة
القاهرة – أكد وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي خلال جلسة نقاشية في منتدى الدوحة أن بلاده "لن تحكم غزة"، مجددا رفض القاهرة لأي إدارة أجنبية للقطاع بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية.
وبحسب ما نقلته قناة القاهرة الإخبارية، شدد الوزير المصري على أن "الفلسطينيين هم من سيحكمون أنفسهم"، في إشارة واضحة إلى رفض مصر لأي ترتيبات تتجاوز الإرادة الوطنية الفلسطينية أو تمسّ مكانة السلطة الفلسطينية.
وتأتي التصريحات في ظل حراك دولي مكثف تقوده الولايات المتحدة من أجل تشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية تعمل تحت إشراف "مجلس سلام" تنفيذي برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفق الخطة التي يجري الترويج لها كصيغة لمرحلة ما بعد الحرب. كما تشمل الخطة نشر قوة دولية لحفظ السلام على طول ما يسمى بـ"الخط الأصفر" في غزة، وهو خط وهمي يفصل بين مناطق انتشار الجيش الإسرائيلي والمناطق التي انسحب منها جزئياً.
ووفق وسائل إعلام إسرائيلية، حددت واشنطن منتصف يناير/كانون الثاني المقبل موعدا لبدء نشر قوة "الاستقرار الدولية"، وذلك تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الصادر في 18 نوفمبر/تشرين الثاني والذي ينص على إنشاء قوة دولية مؤقتة حتى نهاية 2027.
وفي الوقت الذي يستمر فيه خرق إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار المطبق منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول، تسجل وزارة الصحة في غزة سقوط 367 شهيداً و953 جريحاً خلال يوم واحد فقط السبت، في استمرار للهجمات الإسرائيلية رغم الالتزامات المعلنة.
وجدّد عبدالعاطي التأكيد على رفض مصر "بشكل قاطع" استخدام معبر رفح في أي عمليات تهجير للفلسطينيين من القطاع، موضحا أن القاهرة لن تسمح بتحويل المعبر إلى بوابة لتفريغ غزة من سكانها. ويأتي ذلك بعد نفي مصر قبل أيام وجود أي تنسيق مع إسرائيل لإعادة فتح المعبر أمام راغبين للخروج من القطاع.
ويستند الموقف المصري يستند إلى ثابتتين أساسيتين: منع التهجير القسري الذي تعتبره القاهرة محاولة لتصفية القضية الفلسطينية عبر إعادة رسم الخريطة الديموغرافية لغزة ورفض أي ترتيبات أمنية أو سياسية تُعيد إنتاج الاحتلال بصيغ جديدة، سواء عبر إدارة أجنبية أو إشراف أمني موسّع يهمّش القرار الفلسطيني.
وقد رفضت مصر على مدى العامين اللذين استمرت خلالهما الحرب الإسرائيلية ـ الأمريكية، أي خطة تهدف إلى إفراغ القطاع من سكانه، محذرة من أن مثل هذه الخطط تهدد الأمن القومي المصري وتنسف أساس القضية الفلسطينية.
وتعكس تصريحات عبدالعاطي رؤية مصرية واضحة تقوم على الفصل بين الدور الإنساني واللوجستي الذي تقوم به القاهرة، وبين أي دور سياسي مباشر داخل القطاع. وفي هذا السياق يمكن تسجيل ثلاث دلالات رئيسية:
وتدرك القاهرة أن أي انخراط في إدارة القطاع سيضعها في مواجهة مباشرة مع الفصائل الفلسطينية، ومع المجتمع الدولي، ومع إسرائيل نفسها، وهو ما لا ترغب به. لذلك تؤكد أنها لاعب داعم، لا طرف بديل.
ومن خلال رفض الإدارة الدولية المباشرة أو الوصاية الأمنية، تسعى مصر إلى تثبيت مبدأ أن الحل يجب أن يكون فلسطينياً بالدرجة الأولى، ومنسجماً مع قرارات الشرعية الدولية وليس مع مخططات الأمر الواقع.
وتعتبر القاهرة أن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء خط أحمر، ليس فقط لأسباب إنسانية وسياسية، بل لأن هذا السيناريو قد يُدخل مصر في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، ويحوّل سيناء إلى ساحة صراع طويلة الأمد.
وتأتي تصريحات وزير الخارجية المصري في توقيت بالغ الحساسية، مع بدء الولايات المتحدة وإسرائيل الدفع بصيغ جديدة لإدارة غزة، في ظل استمرار العدوان الذي خلّف حتى الآن أكثر من 70 ألف شهيد و170 ألف جريح خلال عامين وفق الأرقام الفلسطينية، غالبيتهم من النساء والأطفال.
وبإعادة التأكيد على الخطوط الحمراء: لا إدارة مصرية لغزة ولا تهجير ولا شرعنة لأي إدارة أجنبية، تحاول القاهرة تموضع نفسها كطرف موازن يمنع الانفراد الأميركي ـ الإسرائيلي بتحديد مستقبل القطاع ويحفظ في الوقت نفسه مركزية الحل السياسي القائم على دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.