مصر ودروس المصالحة الخليجية

المصالحة مع قطر اخر ما يمكن ان تكونه هو صفقة بالنسبة لمصر.


من الواجب في أزمة معقدة ومتشابكة أن يكون التوجس حاضرا


اعلان قمة العلا ينطوي على تقدير عام لأهمية العلاقة القوية بين دول الرباعي العربي


المصالحة الخليجية أبعد من فك الاشتباك مع قطر وتمس جانبا مهما في حسابات بعض القوى

كشفت المصالحة مع قطر التي أقرتها القمة الخليجية في مدينة العلا السعودية، الثلاثاء، عن جملة كبيرة من الدروس والمعاني السياسية. فالطريق للوصول إليها كان طويلا وصعبا، ولا تزال تعتريه مطبات، لأن الجهات التي وافقت عليها وباركتها ودفعت نحوها وشهدت عليها، لم تراع بعض الأسباب الحقيقية التي قادت إليها، فقد راحت الفرحة لدى البعض وحان وقت اختبار النوايا الحسنة والسيئة.

لم تخل العبارات الدقيقة التي استخدمتها مصر في المحطات التي شاركت فيها عبر الرسائل والزيارات المتبادلة مع الدول المعنية، من إشارات تتعلق بأهمية المصالحة الصادقة للاستقرار في المنطقة، ودور التعاون في دعم الأمن القومي العربي، مع تنبيه واضح لخطورة المماطلة واستمرار التدخل في الشئون الداخلية للدول العربية.

وحمل الخطاب المصري مفردات مباشرة لتجنب تكرار العوامل التي أفضت إلى الأزمة مع قطر، وبدون إصلاحها بجدية سوف تستمر الأجواء القاتمة تخيم على شكل العلاقات بين دول الرباعي العربي، مصر والسعودية والإمارات والبحرين، التي حافظت على حد جيد من تماسكها في مواجهة تحركات أميركية منجرفة ومتسارعة، أرادت الدفع نحو هذه المصالحة بأي ثمن.

ترى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبيل مغادرتها البيت الأبيض ضرورة تصفية هذا الملف الذي ولد في عهدها، وهي عادة الإدارات التي لا تريد أن تترك وراءها ملفات مكشوفة بعد رحيلها، خوفا من توظيفها سياسيا لوصمها بالفشل، ورغبة في تهيئة المجال أمام ترتيبات إقليمية جديدة، قد تكون إسرائيل جزءا أساسيا فيها.

كما تسعى واشنطن إلى تقويض بعض الأجنحة التي تعتمد عليها إيران في المنطقة، بينها علاقتها القوية مع قطر التي تنامت عقب الأزمة مع الرباعي.

وفي وقت يتزايد فيه السباق الأميركي نحو استهداف طهران، وإيجاد أمر واقع تلتزم به الإدارة الجديدة تحت رئاسة جو بايدن، وتجفيف منابع بعض المشكلات التي تمثل نافذة لطهران للهروب منها.

فمن غير المستبعد أن يلجأ بايدن للعودة إلى الاتفاق النووي الذي أوقفه ترامب، وادخال تعديلات عليه تعيد الاعتبار لأهميته الحيوية للإدارة الديمقراطية.

تبدو المصالحة الخليجية أبعد من فك الاشتباك مع قطر، وتمس جانبا مهما في حسابات بعض القوى، ولذلك كان السعي إليها حثيثا من جانب الدول التي ترى أنها أحد مفاتيح تخفيف الضغوط الواقعة عليها، أو تلك التي يمكن أن تقع عليها بعد تسلم الرئيس بايدن السلطة، حيث يعتزم فتح بعض الجراح القديمة، بما يسبب حرجا لبعض حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة والذين يريدون التحلي باليقظة في التعامل مع المستجدات وبدون العودة إلى خلفيات أزمات سابقة قاتمة.

أكد تفويض السعودية بالحديث مع قطر، من قبل الدول الثلاث الأخرى، عدم الممانعة في مبدأ المصالحة، وأكد أيضا أن أي تفاهمات بين الرياض والدوحة لن تكون على حساب أحدا منهم. وتلقى الجميع تطمينات بهذا المعنى قبيل القمة، وهو ما جعل الصيغة النهائية للبيان الختامي تخرج متوازنة، وتنطوي على تقدير عام للمصالحة، وأهمية للعلاقة القوية التي تربط دول الرباعي العربي، وحرص على عدم اصابته بشلل.

وجدت فكرة الرباعي هوى لدى دوائر سياسية راودها الحلم والتفاؤل في أن يتحول التعاون إلى نواة عربية، يمكن أن تتطور إلى ما هو أبعد من الهدف الذي ظهرت من أجله الفكرة.

ولامست تحركات الرباعي اللاحقة جوانب عميقة للتعاون والتنسيق لمواجهة بعض التحديات الإقليمية الصاعدة، متمثلة في الإرهابيين والمتطرفين والدول التي تغذي وتدعم تصرفات هؤلاء ومنحتهم صكوكا للانتشار والتمدد.

لفت انتباه الكثير من المراقبين، أن هناك حذرا مصريا، أو بمعنى أدق عدم ثقة في النوايا القطرية، وأن القاهرة بدت غير مرتاحة لأي اندفاع غير مبرر نحو اتمام المصالحة في قمة العلا وبأي ثمن، ومع ذلك كان حضورها ممثلا في سامح شكري وزير الخارجية مهما، ودليلا على استمرار تماسك دول الرباعي العربي.

أشارت الخبرة الطويلة إلى أن الحذر المصري في محله، فمن الواجب في أزمة معقدة ومتشابكة ولم تتحقق تماما المطالب التي وضعها الرباعي كشروط للمصالحة، أن يكون التوجس بعض الشيء حاضرا، مع انجراف بعض وسائل الإعلام لتصوير الأمر على أنه انتصار للدوحة، لأنها لم تقدم التنازلات المطلوبة وحافظت على موقفها بدون تغيير تقريبا، ولم تظهر تطمينات توحي بأن هناك تحولا يعزز حسن النوايا.

لم يقف الحذر والتلويح بأهمية الحصول على ضمانات، حائلا أمام الطريق إلى المصالحة الخليجية، كي لا تتهم مصر أنها ممانعة أو معطلة لها. وبدا الموقف الرسمي جليا في هذه المسألة، وتكرر في بيانات لرئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية أخيرا، حملت الكثير من الكلمات الحاسمة التي تعبر عن المضمون الجاد للمصالحة.

في ظل تطورات إقليمية ودولية عاصفة من الضروري أن يكون هناك وضوح وشفافية وجدية، فكل دولة تحاول البحث عن تهدئة طالما وجدت إليها سبيلا.

فالأوضاع لا تتحمل أعباء لمناكفات سياسية أو أمنية جديدة، وكل دولة تريد أن تتحلل من الضغوط التي تطوقها بالطريقة التي تناسبها، لكن من المهم توافر العوامل التي تبددها بصدق وليس رغبة في القفز على أشواك مؤقتة.

أوضحت تفاصيل الأزمة مع قطر أنه لا توجد عداوات أو صداقات دائمة، بل توجد مصالح دائمة، وهي من العبارات التي تتردد كشعارات جذابة، حتى أثبتت المصالحة الخليجية صدقها، ما يفرض على الدول عدم التمادي في العداوة وترشيد الصداقة.

كان الرئيس عبدالفتاح السيسي حكيما في حرصه على استخدام قاموس سياسي عاقل ويعزز هذه المعاني. وفي خضم تصاعد حدة الخلافات مع قطر لم يلجأ إلى ما لجأ إليه آخرون من مفردات بالغة القسوة، إلا عندما يتعلق الأمر بمصر وأمنها القومي.

ولذلك فأي خلافات مع أي جهة من الممكن تسويتها بسهولة، فخطوط الرجعة مفتوحة طالما التزم الجانب الآخر باحترام الثوابت المصرية المعلنة.