مقاتلة "كآن" ترسم تحالفا عسكريا بين أنقرة والقاهرة
أنقرة/القاهرة - يمثل انتقال مشروع مقاتلة الجيل الخامس التركية "كآن" (KAAN) من التصميم إلى منصات التنفيذ الصناعي المشترك مع مصر، انعطافة جيوسياسية كبرى تتجاوز منطق الصفقات العسكرية التقليدية. فهذا التعاون، الذي كشفت عنه تقارير استخباراتية متخصصة مثل Tactical Report، يؤسس لمحور إقليمي جديد يرتكز على مفهوم "السيادة التكنولوجية"، ويعيد صياغة توازنات القوة في شرق المتوسط والشرق الأوسط.
وتجد القاهرة في المقاتلة التركية "كآن" المخرج الإستراتيجي لمعضلة استمرت عقوداً؛ فبينما فرضت واشنطن قيوداً صارمة حالت دون حصول مصر على مقاتلات F-35 للحفاظ على التفوق العسكري النوعي في المنطقة، تفتح الشراكة مع أنقرة باب الجيل الخامس دون "فيتو" سياسي أو شروط تشغيلية مقيدة.
وتكمن الميزة الأبرز في امتلاك "أكواد البرمجة" (Source Codes)، ما يمنح القوات الجوية المصرية القدرة على دمج ترسانتها من الصواريخ والذخائر محلية الصنع (التي تطورها الهيئة العربية للتصنيع) ضمن الأنظمة القتالية للطائرة، وهو ما كان مستحيلاً في المنصات الغربية.
ولم تعد العلاقة مجرد "بائع ومشتري"، بل تحولت إلى نموذج تكامل عضوي يعتمد على تغطية كل طرف لتكاليف مكوناته الصناعية، مما يقلل الضغوط على موازنات النقد الأجنبي ويضمن ديمومة الإنتاج بعيداً عن تقلبات الأسعار العالمية.
وتراهن أنقرة على استثمار البنية التحتية الضخمة في مصر، وتحديداً مصنع 360 الحربي وشركات الهيئة العربية للتصنيع، لإنتاج أجزاء حيوية من الهيكل والأنظمة الفرعية، مما يحول القاهرة إلى شريك في سلاسل التوريد العالمية لهذه المقاتلة.
وبالنسبة لأنقرة، الشراكة مع مصر ليست خياراً ديبلوماسياً فحسب، بل ضرورة اقتصادية وفنية؛ فمشاريع الجيل الخامس تتطلب "وفورات الحجم" لتقليل الكلفة الإنتاجية، ووجود شريك بحجم القاهرة بطلبيات مؤكدة يضمن استدامة المشروع مالياً.
وطوى البلدان في عام 2023 عقداً من الجفاء والقطيعة التي أعقبت الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي. ذلك الخلاف الذي تحول حينها إلى حروب بالوكالة في ليبيا وتراشق ديبلوماسي حاد، استحال اليوم إلى "براغماتية صلبة". فمصر بحاجة لتأمين عمقها الاستراتيجي الغربي وجذب الاستثمارات، وتركيا تسعى لكسر "طوق العزلة" في شرق المتوسط والوصول إلى الأسواق العربية والأفريقية عبر بوابة القاهرة.
ومن المتوقع أن يثير هذا التحالف المصري - التركي قلق القوى الدولية الكبرى التي تهيمن على سوق السلاح. فبناء تكتل دفاعي إقليمي يمتلك تكنولوجيا الجيل الخامس يعني كسر الاحتكار التقليدي، ويقلل من قدرة القوى الخارجية على استخدام ورقة السلاح للضغط السياسي على القاهرة أو أنقرة.
ويمكن القول إن مقاتلة "كآن" ليست مجرد طائرة شبحية، بل هي الأداة التي أعلنت بها تركيا ومصر انتهاء عصر "المجاملات البروتوكولية" وبدء عصر "التحالف العضوي"، الذي قد يجعل من البلدين القوة الضاربة الأكثر استقلالية وتأثيراً في الجناح الجنوبي والشرقي لحلف شمال الأطلسي "الناتو" والمنطقة العربية.