مكافحة الفساد مُسكّن لا يُهدئ غضب اللبنانيين

النخبة السياسية الحاكمة في لبنان أهدرت الكثير من الوقت في الصراعات السياسية والنزاع على التموقع والنفوذ فيما كانت شواغل اللبنانيين آخر اهتمامها.



الخطاب اللبناني الرسمي يعكس إرباكا في التعاطي مع احتجاجات بلا لون طائفي


تدخلات حزب الله الخارجية عمّقت أزمات لبنان السياسية والخارجية


لبنان لم يفارق متاهة صراع النفوذ منذ نهاية الشغور الرئاسي في 2016

بيروت - تحولت مكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين الفاسدين عناوين بارزة في معظم خطابات السياسيين اللبنانيين ومن ضمنهم الرئيس ميشال عون على وقع احتجاجات لم تهدأ منذ أن انطلقت في 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي تنديدا بكل النخبة السياسية الحاكمة التي اتهمها المتظاهرون بالفساد أو أنها أغرقت البلاد في أزمة بسبب فسادها.

ويبدو هذا الطرح في هذا التوقيت بمحامله السياسية أقرب للاستهلاك الإعلامي وتهدئة الغضب الشعبي أكثر منه تجاوبا مع مطالب المحتجين ودفعا لترسيخ معايير الشفافية والمحاسبة.

ويرى متابعون للشأن اللبناني أن النخبة السياسية الحاكمة في لبنان أهدرت الكثير من الوقت في الصراعات السياسية والنزاع على التموقع والنفوذ، فيما كانت شواغل اللبنانيين آخر اهتمامهم، لا يسلط عليها الضوء إلا في المناسبات إما ضمن مزايدات سياسية أو ضمن محاولات الاستقطاب.

وأفرزت تلك الصراعات مناخا من عدم الثقة بين اللبنانيين والنخبة الحاكمة كما أدخلت لبنان في نفق مظلم سياسيا واقتصاديا ووضعته على حافة الإفلاس في الوقت الذي كان اللبنانيون يتطلعون فيه إلى تحسين أوضاعهم بعد أن أنهت صفقة جاء بموجبها عون للرئاسة وسعد الحريري لرئاسة الوزراء، حالة الشغور الرئاسي منذ نهاية ولاية الرئيس السابق إميل لحود. ودام الشغور في منصب الرئاسة أكثر من عامين ونصف العام إلى أن تم انتخاب عون رئيس للبنان بعد تصويت مجلس النواب اللبناني في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2016.

ويعتبر خبراء اقتصاديون أن الفترة الفاصلة بين إنهاء حالة الشغور السياسي في أكتوبر/تشرين الأول 2016 وتاريخ اندلاع الاحتجاجات العابرة للطائفية في نفس الشهر من العام الحالي، كانت كافية لوضع البلاد على سكة الإصلاح ومكافحة الفساد وإنعاش الاقتصاد المتعثر.

لكن السير في هذا الاتجاه (الإصلاح ومحاربة الفساد) كان بطيئا إن لم يكن منعدما في مرحلة كان يحتاج فيها لبنان لإرادة سياسية تدفع باتجاه ترميم الشروخ السياسية والاقتصادية وتحصين البلاد من الهزات الجيوسياسية ومن التدخلات الخارجية.

وكان يفترض أن تنهي انتخابات مايو/أيار 2018 التي فاز فيها حزب الله وحلفاؤه بالأغلبية، حالة الجمود، إلا أنها أدخلت لبنان مجددا في متاهة أكبر مع تعاظم نفوذ الجماعة الشيعية المدعومة من إيران وهيمنتها على الشأن العام اللبناني، فيما عمّقت تدخلاتها الخارجية ومن ضمنها الانخراط بكل ثقلها في الحرب السورية واندفاعها في دعم الحوثيين في اليمن تدريبا وتسليحا ومساعدة في شن اعتداءات إرهابية على السعودية، أزمة لبنان.

وليس غريبا أن يرفع الرئيس اللبناني شعار مكافحة الفساد في خطاباته المتكررة في مغازلة للمتظاهرين الساخطين على كل المنظومة السياسية، إلا أن توقيتها يشير بدرجة أولى إلى أن الفساد لم يعد حالة استثنائية بل واقعا متجذرا في مؤسسات الدولة المحكومة بنظام المحاصصة الطائفية والتي يهيمن عليها حزب الله وحلفاؤه.

ويعكس في الوقت ذاته حالة من الإرباك في التعاطي مع الأزمة فعون يدرك مثله مثل باقي مكونات النخبة الحاكمة أن هذا العنوان الفضفاض، لم يعد يقنع المتظاهرين الذين ضاقوا ذرعا بوعود لم يتحقق منها شيء.

وقد أعلن عون اليوم الاثنين أنه يجب أن تكون متابعة مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين على رأس أولويات الحكومة الجديدة بعد تشكيلها وذلك بإطلاق تحقيقات واسعة تشمل كل الإدارات والمؤسسات العامة والمستقلة.

دعوات عون للحوار والتعهد بمكافحة الفساد تبدو أقرب للاستهلاك الإعلامي وتهدئة الغضب الشعبي أكثر منها تجاوبا مع مطالب المحتجين أودفعا لترسيخ معايير الشفافية والمحاسبة

وكان يمكن أن يكون لتصريحات عون وقع أكبر على اللبنانيين لو كانت مكافحة الفساد أمرا طارئا في مؤسسات الدولة، وكان يمكن لتركيز الرئيس اللبناني ومعظم كبار المسؤولين اللبنانيين على هذه المسألة تأثير لو أنها طرحت مباشرة بعد صفقة تقاسم السلطة التي أنهت سنوات من الفراغ الدستوري والشغور في منصب الرئاسة والتي جاءت بعون رئيسا وبسعد الحريري رئيسا للوزراء إلى أن أعلن الأخير استقالته مؤخرا لقطع الطريق على تحويل حزب الله ساحة بيروت إلى حمام دم.

وتقول مصادر لبنانية إن نداءات ودعوات عون ومن خلفه حليفه حزب الله لمكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين وهو واحد من مطالب الحراك اللبناني، جاءت متأخرة كثيرا وبدفع من الاحتجاجات العابرة للطائفية.

وإلى حدّ الآن لم تنجح دعوات الرئيس اللبناني وتطميناته وتجاوبه مع مطالب المحتجين في تهدئة الشارع اللبناني وإن تراجع زخم الاحتجاجات عن الأيام الماضية.

وتشير شعارات رفعها المحتجون في بيروت ومدن أخرى إلى أن اللبنانيين لم يعد لهم ثقة في منظومة الحكم ورموزها.

وذكرت الرئاسة اللبنانية اليوم الاثنين على صفحتها بفايسبوك أن الرئيس عون استقبل يان كوبيتش المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان وأبلغه أن "من أولى مهام الحكومة الجديدة متابعة عملية مكافحة الفساد والتحقيق سوف يشمل جميع المسؤولين في الإدارات من مختلف المستويات"، لافتا إلى أن التحقيق سوف يشمل جميع المسؤولين الذين تناوبوا على هذه الإدارات والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة من مختلف المستويات.

وقال إن الإصلاحات التي اقترحها ووعد اللبنانيين بالعمل على تحقيقها "من شأنها تصحيح مسار الدولة واعتماد الشفافية في كل ما يتصل بعمل مؤسساتها".

ولم يكن شعار مكافحة الفساد العنوان الوحيد في خطابات المسؤولين اللبنانيين، فالدعوات للحوار احتلت أيضا حيّزا هاما في معظم التصريحات بداية برئيس الوزراء ثم أمين عام حزب الله حسن نصرالله ورئيس البرلمان نبيه بري وصولا إلى الرئيس ميشال عون.

لكن الدعوات للحوار مع المحتجين والإصغاء لمطالبهم لم تخل من التهديد أيضا فقد حاول حزب الله ترهيب المحتجين حين أطلق أيدي ميليشياته لتعبث بالمعتصمين ضربا وحرقا وتدميرا لخيامهم في رسالة فسّرت على أنها تخيير للمحتجين بين التفاوض أو مواجهة حمام دم.

وقال عون بمناسبة لقائه الخاص للأمم المتحدة في لبنان، إن النداءات التي وجهها إلى المتظاهرين والمعتصمين "عكست تفهمه للمطالب التي رفعوها"، مضيفا أنه "لا بد من الحوار مع هؤلاء المتظاهرين في الساحات من أجل التوصل إلى تفاهم على القضايا المطروحة".