منذ 1933.. المصريات يواصلن التحليق في سماء الإنجاز
حين أقلعت الرائدة المصرية لطفية النادي بطائرتها عام 1933 لم تكن تدرك أنها لا تفتح طريقا لنفسها فقط بل تمهد الطريق لأجيال من النساء المصريات والعربيات نحو عالم الطيران. وبعد أكثر من تسعين عاما على تلك اللحظة التاريخية تواصل المرأة المصرية كتابة صفحات جديدة من النجاح من خلال نماذج ملهمة استطاعت أن تصل إلى أعلى المواقع في واحدة من أكثر المهن دقة وتعقيدا.
ومن بين هذه النماذج تبرز الكابتن نيفين درويش التي عادت إلى دائرة الضوء مؤخرا بعد إعلانها إتمام التأهيل على طائرة إيرباص A350 أحدث طائرات شركة إيرباص وأكثرها تطورا، لتضيف إنجازا جديدا إلى مسيرة مهنية امتدت لنحو خمسة وثلاثين عاما في عالم الطيران وما يقارب عشرين ألف ساعة طيران.
ولم تصف نيفين درويش هذا الإنجاز باعتباره نجاحا شخصيا فحسب بل اعتبرته محطة تحمل اسم مصر والشركة الوطنية مصر للطيران إلى صفحة جديدة في تاريخ الطيران المدني الحديث مؤكدة أن الإصرار والعلم والعمل الجاد قادر على تحويل الأحلام إلى واقع.
ويأتي هذا الإنجاز بعد سنوات طويلة من العمل والخبرة جعلت من نيفين درويش واحدة من أبرز الأسماء النسائية في قطاع الطيران العربي والدولي ففي عام 2017 تصدرت عناوين الأخبار العربية والعالمية عندما أصبحت أول امرأة من أصول عربية تتولى قيادة طائرة إيرباص A380 أكبر طائرة ركاب تجارية في العالم خلال عملها في شركة طيران الإمارات، وهو الإنجاز الذي وضع اسمها بين أبرز قائدات الطائرات في المنطقة والعالم.
وخلال سنوات عملها في الإمارات استطاعت نيفين درويش أن تثبت كفاءتها في بيئة عمل تنافسية تضم نخبة من الطيارين حول العالم وكانت من أوائل النساء العربيات اللاتي وصلن إلى قمرة قيادة أكبر طائرة ركاب في العالم لتصبح نموذجا ملهما للفتيات الراغبات في دخول مجال الطيران وأن تثبت أن الكفاءة والخبرة هما المعيار الحقيقي للنجاح في هذه المهنة.
وتشير سيرتها المهنية إلى أنها بدأت رحلتها بالدراسة في كلية التجارة بجامعة عين شمس قبل أن تتجه إلى عالم الطيران لتبدأ رحلة طويلة من التدريب والعمل والانضباط المهني قادتها إلى واحدة من أعلى الدرجات المهنية في هذا القطاع شديد التخصص.
ولم يقتصر تقدير مسيرتها على الأوساط المهنية فقط بل امتد إلى مستوى التكريم الوطني ففي مارس/آذار 2026 كانت نيفين درويش ضمن النماذج النسائية الملهمة التي كرمتها السيدة انتصار السيسي خلال احتفالية المرأة المصرية أيقونة النجاح تقديرا لما قدمته من إنجازات مهنية رفعت اسم مصر في المحافل الدولية وقدمت صورة مشرفة للمرأة المصرية في واحد من أكثر المجالات تحديا.
ويبدو هذا التكريم امتدادا طبيعيا لمسيرة حافلة بالنجاحات إذ لم تتوقف نيفين درويش عند قيادة طائرة A380 بل واصلت تطوير خبراتها المهنية حتى أعلنت مؤخرا حصولها على التأهيل لقيادة طائرة إيرباص A350 أحدث أفراد عائلة إيرباص وهي الطائرة التي تمثل مستقبل الرحلات طويلة المدى لما تتمتع به من تقنيات متقدمة وكفاءة تشغيلية عالية.
وفي رسالتها التي أعلنت من خلالها هذا الإنجاز استحضرت نيفين درويش اسم لطفية النادي أول امرأة مصرية وعربية وأفريقية تحصل على رخصة طيران مؤكدة أن الطريق الذي بدأته الرائدة المصرية قبل أكثر من تسعة عقود ما زال مفتوحا أمام أجيال جديدة من النساء القادرات على تحقيق المستحيل.
وربما تكمن أهمية قصة نيفين درويش في أنها لا تتعلق بطائرة جديدة أو شهادة تأهيل إضافية بقدر ما تعكس رحلة طويلة من الطموح والعمل والانضباط والإيمان بالقدرة على النجاح فمن فتاة مصرية حلمت بالطيران إلى قائدة تقود أكبر طائرات العالم ثم تنضم إلى صفوف القائدات المؤهلات على أحدث طائرات إيرباص تتجسد أمامنا قصة نجاح مصرية خالصة تؤكد أن السماء لم تعد سقفا للأحلام بل أصبحت بداية لطريق جديد من الإنجازات.
وبين لطفية النادي التي فتحت أبواب السماء أمام المرأة المصرية عام 1933 ونيفين درويش التي تجلس اليوم في قمرة أحدث طائرات العالم تتواصل الحكاية نفسها حكاية نساء مصريات رفضن القيود وآمن بأن الإرادة والعلم والعمل الجاد قادرة على حملهن إلى أبعد مدى لتواصل مصر التحليق عاليا بين الأمم.