من الطب البديل إلى بديل الطب في 'ظاهرة ضياء العوضي'

كتاب خالد منتصر الجديد يشرّح آليات صناعة النجومية الزائفة والشك في المؤسسات العلمية، محولاً الجدل الطبي إلى دراسة ثقافية واجتماعية تفكك أسباب انجذاب الجماهير للوعود السريعة على حساب الحقائق العلمية.
رانيا عبدالعاطي
القاهرة

لا تبدو قصة ضياء العوضي مجرد حكاية طبيب أثار الجدل بسبب آرائه المختلفة حول الغذاء والعلاج بقدر ما تبدو مرآة لتحولات أعمق شهدها المجتمع خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبح من السهل أن ينتقل شخص من هامش المشهد إلى مركزه وأن يتحوّل من صاحب رأي إلى ظاهرة يتابعها مئات الآلاف ويؤمن بها قطاع واسع من الناس.

هذه الظاهرة هي ما يتوقف عنده الطبيب والكاتب المصري خالد منتصر في كتابه الجديد "ظاهرة ضياء العوضي من الطب البديل إلى بديل الطب" الصادر عن دار ريشة للنشر والتوزيع حيث يحاول الاقتراب من واحدة من أكثر الظواهر الطبية والإعلامية إثارة للجدل في مصر خلال السنوات الأخيرة.

لا ينشغل الكتاب كثيرا بسيرة ضياء العوضي أو تفاصيل حياته الشخصية بقدر ما يهتم بالسياق الذي سمح لأفكاره بالانتشار والتحوّل إلى حالة جماهيرية تجاوزت حدود الطب إلى المجالين الاجتماعي والثقافي فالمؤلف يرى أن أهمية الظاهرة لا تكمن في صاحبها وحده وإنما في الجمهور الذي منحها الزخم والقدرة على الاستمرار.

يعرف خالد منتصر لدى القراء العرب بوصفه أحد أبرز المدافعين عن التفكير العلمي في المجال العام وقد كرست كتبه ومقالاته مساحة واسعة لمواجهة الخرافة والعلوم الزائفة والدجل الطبي لذلك يأتي هذا الكتاب امتدادا لمسار طويل من الاشتباك مع القضايا المرتبطة بالعقلانية والعلم أكثر من كونه مجرد رد على شخصية بعينها.

ومن هذه الزاوية يقرأ منتصر ظاهرة ضياء العوضي باعتبارها جزءا من موجة أوسع من الشك في المؤسسات العلمية والبحث عن بدائل تقدم إجابات سهلة لمشكلات معقدة فكلما تراجعت الثقة في الخبراء ازداد الحضور الشعبي للأشخاص الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب الحقيقة الغائبة أو المعرفة التي أخفتها المؤسسات التقليدية.

ويلفت الكتاب الانتباه إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دورا محوريا في صناعة هذه الظواهر حيث لم تعد الشهرة مرتبطة بالمسار الأكاديمي أو الخبرة المهنية بقدر ارتباطها بالقدرة على جذب الانتباه وصناعة جمهور وفي هذا المناخ أصبح من الممكن أن تحقق الأفكار الصادمة انتشارا يفوق بكثير ما تحققه الحقائق العلمية الهادئة.

ولا يتوقف المؤلف عند نقد بعض الآراء الطبية التي اشتهر بها العوضي بل يتجاوز ذلك إلى محاولة فهم الأسباب التي تجعل قطاعات من الناس أكثر استعدادا لتصديق الخطابات المناهضة للعلم ففي عالم يعاني من القلق والضغوط الاقتصادية وتراجع الثقة بالمؤسسات تبدو الوعود السريعة بالشفاء أو الحل أكثر جاذبية من الحقائق المعقدة التي يقدمها العلم.

ومن أهم الأسئلة التي يطرحها الكتاب: كيف يمكن أن تتحوّل التجربة الفردية إلى مرجع معرفي؟ وكيف يصبح نجاح حالة واحدة دليلا لدى البعض على صحة نظرية كاملة؟ وكيف تتحوّل الكاريزما الشخصية إلى بديل عن البرهان العلمي؟ وهي أسئلة لا تخص ظاهرة ضياء العوضي وحدها بل تمتد إلى عشرات الظواهر المشابهة التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة.

وربما تكمن قيمة الكتاب في أنه لا يقدم إجابات نهائية بقدر ما يدعو إلى إعادة التفكير في العلاقة بين المجتمع والعلم وبين الجمهور والخبراء فالقضية التي يناقشها ليست طبية فقط وإنما ثقافية أيضا لأنها ترتبط بقدرة المجتمعات على إنتاج الوعي النقدي وعلى التمييز بين المعرفة والرأي وبين الحقيقة والانطباع.

وفي هذا المعنى يبدو كتاب خالد منتصر أقرب إلى دراسة في آليات صناعة الظواهر الجماهيرية منه إلى كونه كتابا عن طبيب بعينه فالعوضي هنا يتحول إلى نموذج يمكن من خلاله قراءة أسئلة أكبر تتعلق بالإعلام والثقافة والوعي الجمعي وطبيعة العصر الذي أصبحت فيه الشهرة أحيانا أقوى من الخبرة وأصبحت فيه القدرة على التأثير أكثر حضورا من القدرة على الإقناع العلمي.

هكذا يتحوّل كتاب "ظاهرة ضياء العوضي" من توثيق لجدل طبي إلى محاولة لفهم لحظة ثقافية كاملة لحظة تكشف كيف يمكن لفكرة أن تتحول إلى حركة ولشخص أن يتحول إلى رمز وللخلاف العلمي أن يصبح قضية رأي عام تتجاوز حدود الطب إلى أسئلة المجتمع نفسه عن المعرفة والحقيقة ومن يملك حق الحديث باسمهما.