النهايات في 'شيطان وحجاب' وتبديد كل يقين
لئن كان تحديد مصطلح البداية دقيقاً بإجماع الباحثين في السرد، فهو مصطلح نظري موثوق، فقد بقي مصطلح النهاية أو الخاتمة محط غموض خاصة وأن النهاية نهايات، النهاية مراوغة، وهي تغير مسار الأحداث أو تثبت وجهة نظر مخالفة لما تبدو عليه الشخصيات، وتبرز وجهة مختلفة…
وقد عرّف أرسطو السرد: بأنه يتكشّف ببداية ووسط ونهاية. فالتتابع الزمني، يؤدي إلى مفهوم "النهاية". وتعني النهاية الانفصال حين تأتي النقطة الأخيرة والفراغ الأخير. ولكن النهاية غالباً ما تعيد القارئ إلى اكتشاف عالم ما وراء النص، ومحاولة فك بعض شفراته. إذ لا يتوقف السرد عند نهايته: "نهاية النص ليست سوى أفقها" حسب ساندراس، إذ تدفع السرد نحو تخيل المزيد من الأحداث، وتشعر القارئ بأن "القصة لم تكتمل بعد".
وحبيبة المحرزي في المجموعة القصصية ''شيطان وحجاب'' تنهي قصصها بمساحة مرئية: الكلمات ونقطة النهاية، ولا تترك مساحة فارغة أو نقاطاً متتالية. فهي تغلق السرد، تاركة الشخصية للإحباط والتيه والضياع تحت وقع الصدمة لترسم نهاية قصتها بكونها ''آخر الشيء، تدل على الإغلاق، وتأتي بمعنى التوقيع النهائي أو إتمام الشيء''. وقد سعت القاصة حبيبة المحرزي إلى إحكام إغلاق قصتها، دون أن تترك المجال لأي بداية جديدة. ولكن تلك النهاية المقفلة تخلف موجة من الشك في ذهن القارئ، مبددة كل يقين.. تاركة إياه في حالة من الارتياب والتردد.
وتبدو القاصة حبيبة المحرزي واعية بلعبتها السردية عند صياغة خواتم قصصها، وتنبه القارئ من خلال عتبة التصدير من خلال قولة لكافكا: ''خجلتُ من نفسي حين أدركت، أن الحياة حفلة تنكرية، وأنا حضرتها بوجهي الحقيقي''، فهي منذ العتبات الأولى لمجموعتها القصصية تخبر القارئ أن الوجه الحقيقي للحياة يكمن في خاتمة القصة أو موضوعها الأساسي، أما الأحداث فهي تنبع من شخصيات مزيفة تخفي بواطنها لتمثل أدوارها بمنتهى الإتقان. شخصيات تحمل أقنعة التخفي والتمويه، وكما عرفها كارل يونغ، تمثل "الوجه المزيف" الذي نقدمه للمجتمع. وتتأكد هذه الرؤية من خلال عنوان المجموعة القصصية: فالشيطان الذي يحث على الإثم يتوارى وراء الحجاب الساتر مما يدل على إخفاء الدوافع الحقيقية للأفعال، ويأتي دور القاصة حبيبة المحرزي في كونها تطمس هذا الخجل الاجتماعي بأن تهتك هذه الأقنعة لتبرز بشاعة الصور..
نماذج قصصية:
"زوج فقير جداً":
قصة تروي سيرة ''رافع الناجح'' تكتشف الزوجة أنه خدعها، فهو مدير عام الشركة ويدعي أنه موظف بسيط، اكتشفت الأمر صدفة، حين دخل المصحة إثر تعرضه لحادث وذهابها لشركته لتقبض مرتبه لتضيفه لمصاريف العلاج.. لم تنته القصة بهذا الحدث بل بعثرت فوق زوجها حزمة الأوراق المالية وهو يفتح عينيه… القصة تبدأ من نقطة يقينية ثابتة، أي أنها لا تجعل القارئ يشك في أي شيء حتى النهاية: لتتحكم الساردة في خيوط القص ومباغتة القارئ بالمفاجأة..
قصة "نوم ثقيل":
اختفاء عائلة الخالة رشيدة المعروفة بأحداث الصخب، وخلت طوابق المنزل من الحركة، وخلا المنزل من سكانه دفعة واحدة.. لتظهر آخر القصة متكومة أمام منزلها، حيث نوت "الحرقة": الهجرة السرية بحراً، رفقة عائلتها، ولكن النوم الثقيل في خرابة الحراق تسبب في إعاقتها عن الهجرة السرية معها، وقد انتهت بغرق المركب وموت كل أفراد أسرتها. الخاتمة في هذه القصة أهم عنصر، ذلك أن حدث اختفاء العائلة حفز القارئ لوضع احتمالات متعددة، وهي تضعه في حيرة من أمره؟ ليتساءل أكثر من مرة: ماذا حدث بالضبط؟
والنهاية المباغتة هي نتيجة الإيهام بوجهة مخالفة للأحداث، من خلال عرض شخصيات لا توحي بما يمكن أن تفعل إذ يمكن استبعاد ذلك، لتدخل القارئ في حالة من الانتظار والشك.
في قصة "الصورة":
امرأة تسافر لزوجها وابنتها بالخارج بطريقة مفاجئة وقد ترددت في ذهنها تلك الصور المرتبة التي تصلها عبر النت، ابنتها في أجمل صورة، والمنزل الجميل الذي تعيش فيه رفقة والدها. وحين تصل هناك وبعد مراحل السفر، تجدها بهيئة مزرية: شعرها منفوش، تقوم بأعباء المنزل الشاقة، بينما زوجها متزوج من امرأة أخرى بدينة، تصاب بالصدمة والذهول، وتنتهي القصة وهي تهيم على وجهها تنبش الحاويات.
الخاتمة في هذه القصة بصرية تسقط كل حلم وتجعل الحقيقة مرئية: صورة مؤثرة عن غياب الدفء والطمأنينة في بيئة غير أمومية، بيئة الضياع والتيه، صورة ترسخ في ذهن القارئ، تنقله من الوهم إلى الحقيقة، والحقيقة قاسية جداً!
في قصة ''سطوح ثلجية'':
عودة المهاجر من بلاد الثلج وفي ذهنه تحقق مشروعه الدار والمطعم من خلال الأموال التي يرسلها لأخيها وفي ذهنه وقلبه الحبيبة رقية التي يرنو للزواج بها، يودع منازل الغرفة والكفاح من أجل المال، وحين يصل يجد أخاه وقد استولى على الدار والمطعم وتزوج حبيبته وهي حامل.. افترش الأدباش أمام المنزل… لتبدأ رحلة الصدمة والضياع.
النهاية تُعيد الشخصية إلى نقطة البداية، وتعيد الحدث إلى نفس الفكرة من الأسطح الثلجية إلى قسوة العراء، ليعود إلى نفس المكان والظروف التي كان عليها عندما بدأ كل شيء. وبذلك تنتهي القصة من حيث تبدأ، كما أن فكرة القصة تكمن في الخاتمة وما عليها إلا أن تكشف الوجه؟ لتصل إلى القصة الرئيسية وهي تمر على قصة خلفية داخلية… ليتم تغيير كل ما يتخيله الذهن أثناء عملية القراءة..
قصة ''هستيريا'':
تفاجأ الزوجة أن زوجها يقرر الزواج من ثانية لأنها لا تنجب وتتهيأ حماتها لحفل الزواج، بينما ترمى هي في الإسطبل وتُعنف مما يؤدي بها جنونها، ولكن النهاية الحقيقية للقصة حين يتم العثور عليها في البئر، ويتم إنقاذها ليحقنها الممرض بمهدئ لكي تنسى…
النهايةٌ مؤثرة تثير تعاطف القارئ، وتكشف حجم الفجيعة، نغمة الحزن هي التي تهدد البقاء ونسيانها هو الدخول إلى نفق قد يؤدي إلى استفاقة قادمة.
''قصة أخف الضررين'':
تسلك الزوجة طريق الجنون عوض أن تكون زوجة رابعة، تنجو من بيت الزوج الوحش، ترمي المفاتيح وتسير حافية عارية الرأس، حتى العائلة لم تقف إلى جانبها، هي النهاية التي تدفع القارئ إلى التأمل، وتتركه بين الرضا وعدم الرضا.
تخضع هذه القصة إلى لعبة السرد، إلى التتابع الزمني، النهاية تغلق السرد، وتفتتحه، ولكن تستمر المعاناة ويستمر الضرر، وتستمر حلقة التكرار، فالقصة أُغلقت لتنفتح على التيه.
فهل انتهت القصة حقاً أم انفتحت على حلقات أخرى، أم يصعب وضع نقطة النهاية لأن التحولات والانعطافات مستمرة وغير يقينية؟!!
إن النهاية تعود بنا على بدء لنعيد قراءة قصص المجموعة القصصية "شيطان وحجاب" بتمعن، لندرك الإشارات الضمنية والإيحاءات التي بثتها القاصة بين الأسطر وهي عدم الانخداع بالسرديات التي تقدم لنا على أنها يقينية، كل شيء يثير الشك وكل الحقائق أوهام.