"وجهها الآخر الذي لا يعرفني" تمظهرات روح

في نصوص منى الماجري تجتمع ترددات الشعر الروحية وخطية النثر.


الديوان شمل عناوين تدل على ألوان النفس ومعانيها المتقلبة المتناقضة في صفوها وكدرها


الماء الأنثوي جزء من الطبيعة ومن تكوينها الأمومي الحاضن

"وجهها الآخر الذي لا يعرفني" هو باكورة منى الماجري الشعرية. لوحة غلافه للفنانة التشكيلية التونسية هاجر ريدان تنفتح على تصميم معماري قديم يحده البحر ويفضي إليه. وجاء العنوان باللون الأصفر يحيل على النور القوي المنتشر بكثافة. يضيء شغف الشاعرة بلحظات الفرح المعتقة. ويترسخ ذلك من خلال التصدير لباسكال قينيار: "الكتابة ليست غاية في حد ذاتها. الكتابة هي الحنين لفرح ما". 
ومن عتبات الكتاب الأساسية بدءا بالعنوان، مرورا إلى لوحة الغلاف ننفذ إلى تمظهرات الروح التي تأخذ أشكالا متعددة لتعبر عن لحظات السعادة من خلال الكتابة. وكشف للوجه الآخر، الوجه اللامرئي الذي يتجسم من خلال الصور الشعرية.
تجتمع في هذه النصوص ترددات الشعر الروحية وخطية النثر، ولئن قال الشاعر الفرنسي بول فاليري "إن النثر يمشي، والشعر يرقص". فإن نصوص منى الماجري تستغرق في تأمل اللحظات الشعرية دون أن تخلق إيقاعا، أو يتناهى من خلالها رنين التكرار. ولكنها تجسد موسيقى الروح المشرقة. ولعلنا نستشهد في هذا الصدد بقولة الشاعر الفرنسي بودلير بأن "النثر الشعري موسيقي، بدون إيقاع وبدون قافية، منساب مع الترددات الغنائية للروح، مع تموجات الحلم".
وما يميز هذه النصوص تماسكها وتشكيلها لوحدة عضوية من خلال صور متلاحمة، كأنها مطرزة بتئن ودقة على الرغم من انضواء الروح في صور واقعية قريبة من حدقة العين المتجذرة في الذاكرة العامة. ومن خلال استحضار للتفاصيل المنتقاة. 

"وجهها الآخر الذي لا يعرفني" يتدرج بنا من الصور المألوفة والمتخيلة إلى اللاوعي لتبرز من خلاله أحاسيسها وحالاتها الروحية المتعددة

وتنقسم عناوين هذه المجموعة الشعرية إلى معاجم متنوعة بدءا من المعجم الطبيعي في قصائد "مطر، جفاف، بحر، حكاية البرد، صديقي المطر، شجرة التين، كنوز البحر، عين ونجمة، أنا والريح، رفقة الشمس". ووردت العناوين على شكل مفردة تحيل إلى التجريد، والتخصيص من خلال الإشارة والإضافة، والمركبات العطفية لرسم علاقة الذات الحميمة بهذه العناصر الطبيعية. وحضر الوطن في أكثر من قصيدة حقيقة ومجازا: "يا وطني، وطن وجندي، جمهوريتان، فينق، هذه البلاد، شمل". 
وشمل الديوان عناوين تدل على ألوان النفس ومعانيها المتقلبة المتناقضة في صفوها وكدرها: "الأحمر والأسود، مدرسة الحب، حلم، مخاض، عند المساء، أنا الصيادة، زاوية للفرح، اكتمال، جوارح مرهقة". وعلاقتها بالمحيط الخارجي في نصوص: "زائر، عبق العابرين، ذاك الراحل، خطى وسط الطريق، فوانيس، قهوة العمر، رصيف، سماد، طوفان، كورنا". ولم ترد هذه النصوص مرتبة في عناوين كبرى.
في القصائد التي تقترب فيها من عناصر الطبيعة تستيقظ الروح من سباتها، ترتوي، تندهش، وتنتشي تحت تأثير الروائح الطبيعية كعطور أصلية. فبعد نزول المطر بعد تغنج في قصيد "مطر" تلتقط الشاعرة رائحة شيء كالبخور يضوع من أوراق الشجر، يعود بها  إلى الذات.
المطر، هذا المطر أعرفه جيدا
ففي كل زيارة له
أعود ركضا إلى نفسي، أطرق بابها بنفس متقطع
أعود إليها بعد تيه في أزقتها
عندما يطرق المطر بابنا، أشعر بالنوم يغشى عيني المندهشة أبدا.
الماء الأنثوي جزء من الطبيعة ومن تكوينها الأمومي الحاضن، تندمج من خلاله في عالمها الذاتي. وتنغمس في الحلم إثر الإحساس بالارتواء. 
وعلى عكس المطر الذي يبعث على الدهشة والانتشاء. فالروح تنشط من خلال البحر الذي يقف على عتبات النفس ويغمرها ويسرب إليها روائحه. تحول موجه إلى جلباب يفتح ذراعيه ويسرب مشاعر البهجة والاحتفاء. للبحر روائح البخور ولكنها لا تبعث على الانتشاء، فالارتخاء. بل تبعث على النشاط وشعلة الحركة والفرح. فهو يفيض بروحانياته لأنه يجعل الجسد يلين ويتخفف ويتحرك كما الروح.
اشتهي البحر
يقف  على الباب
يرتدي جلبابه
ذاك الذي يخبئ روائح العيد
اشتهي البحر يفتح ذراعيه
يقول لماذا تأخرت
فنحن دونك والعيد نكون بلا عيد
وتغمرني رائحة البخور
تغمرني رائحة الجامع
تفيض علي محبة ذاك البحر
يتحول البحر إلى  رمز أبوي، له نفس الآثار العاطفية. بل تعود لفضاءات هندسية كالباب والجامع للنفاذ بالقارئ لعالم روحاني يشاركها من خلاله تجليها ومتعتها. وتستبدل من خلال البحر رمز الماء  الأنثوي (المطر)، برمز الأب (البحر) في تجاذب بين الماء والنار. فماء البحر دافئ عميق كذاكرة قديمة للرحلات البحرية والعبور والرحيل والعودة. وظل ملاذا للحلم والانغماس اللاوعي حد اشتهاء الغرق. 
ما أجمل أن يشرق الزورق بالشمس العارية تتغنج للماء
لا بأس إن غرق، فما أجمل أن نغرق
على رقص، على بلسم ودفء وبعض رواء. 
وهو اندماج رمزي يحيل على سعادة الجسد في اندماجها مع نشوة الروح، مضيفة إليه عنصر الشمس كقادح لاندماج الحلم بطاقة الحركة. فالبحر يجب أن يكون مضيئا لأنه يستوحش الظلام: 

Poetry
الوطن حضر في أكثر من قصيدة 

البحر يخاف الظلام
يتسول قبسا
الحلم المتيقظ في فضاء البحر نافذة على الخيال الإبداعي ليرسم صورا خيالية من المواد والعناصر المنطبعة في الذهن. يغذيه هاجس البحث عن الصور المرئية وإضاءة ظلام العين النائمة. فهو يختزن النور بكل عوالمه المرئية كاللوحة المرئية المرتبة ترتيبا إبداعيا من داخل الذات. والحالات الشعرية التي تنكشف في هدوء خارج العقل الواعي. 
وفي قصائد "وجهها الآخر الذي لا يعرفني" توقظ منى الماجري الصور الكامنة النائمة من آلية عصر السرعة. وكأننا لا نعبأ بتذوق الحياة، أو أن الجميع يشربون من كأس اللذة دون أن يمنحهم لحظات الشعر. ولا بد من تأمل مثيرات الكتابة الإبداعية، وأن ندرك على مهل التذوق وأثره على الروح. فالشعر هو اكتشاف ما نجهل. ومراودة الحقيقة الهاربة من الآخرين. وتدعونا الشاعرة لمشاركتها اياها في قصيد "قهوة العمر":
والقهوة شربناها على عجل
لم نعرف، لم نعرف أبدا لذة الاحتساء
… ونحن ندافع الزحام، ضاع ضوع القهوة وأثر سكرها
فالروح الشعرية تجد ملاذها في الروح العميقة المتأملة لا في الجسد الآلي. تكشف ما ينغمس بها للعوالم المشتهاة لأنها تحررها من الضيق. لتتنفس وتتمدد، وتحرر المعاني.
وتمزج أحيانا بين جمال الصورة الطبيعية. وترسمها بروحها لتقدمها للقارئ على طبق شهي، كما هو الأمر في نص "شجرة التين" التي لم تستحضر مذاقها بل صورتها الحسية المتخيلة. وقد تجسدت في لوحة تشكيلية بديعة. فالصورة تأخذنا تماما إلى ذلك الشبه المثير الممتع بين جمال تكوين الشجرة وصورة الإنسان.
نعم لشجرة التين عيون عسلية
وخدود خضراء، أو هي وردية
عند كل مساء ينهل من عطرها كل ذلك الكون
وتعبر منى الماجري عن همومها الوطنية. في نص "وطن وجندي" على سبيل المثال. وتكشف عن موقف ذاتي، تبرز من خلاله الذاتية الشعرية المباشرة للوعي المنظم، والتشكيل المرئي، وإدراكها الأيديولوجي.
باتت تطرز له قميص الصوف
ولما استيقظت وجدته نائما في العراء
ومهدت له فراشا حذو النجوم
عند الصباح وجدته في خرابات البناء..
جندي يطوي ركبته يهيء بندقية
والوطن في الحانة يقبل ساق عاهرة عند المساء.
تبدو الصور حسية، واقعية، أصلية، مرتبطة بالتجربة الذاتية للشاعرة أو من خارج الذات. فالجندي ينام في العراء في الأماكن المهجورة، يطوي ركبته وهو يهيئ البندقية. هو ينكر الذات من أجل حماية الوطن، بينما هناك من يتاجر بالوطن ويقبض لينفق أموال العمالة على النساء المدنسات. فالشاعرة توظف معجم الدنس كمضاد للطهارة. وتستعمل مفردة أخلاقية "عاهرة" لتدل على سقوط القيم الوطنية. وهي بذلك تحمل هما وطنيا أموميا إزاء الخيانات المدنسة. وتشير إلى الارتفاع (النجوم) مقابل السقوط (الحانة)، حتى الوطن فقد صفته القدسية وانغمس في الرذيلة. مما يدل على انتفاء هذه القداسة لدى البعض، في المقابل يعيش الجندي في العراء يذود عن وطن وقع تدنيسه.
"وجهها الآخر الذي لا يعرفني" لمنى الماجري يتدرج بنا من الصور المألوفة والمتخيلة إلى اللاوعي لتبرز من خلاله أحاسيسها وحالاتها الروحية المتعددة. مستدرجة صورها الموغلة في الخصوصية وفرادة الخيال. تتحول إلى شكل لوجودها االخاص. لأنها تدور حول ذاتها الخاصة، وتصويرها من الداخل:
كان الفضاء حالكا
وكان رجلا يتسلق الحائط
يشرئب إلى مربع النافذة
المحاطة بالضوء
وكان يقشر الإطار
كأنه يقدح قبسا وقبسا لبقية الظلام.
وجهها الآخر الذي لا يعرفني": صدر عن دار الثقافية للنشر والطباعة والتوزيع بتونس في 2021.
منى الماجري: أستاذة حاصلة على الماجيستير في اللغة العربية. ناشطة ثقافية ومستشارة بلدية. وهي شاعرة، وممثلة حاصلة على جائزة أفضل دور أول في المهرجان التونسي للسينما 2019 عن دور نازلي في شريط "ولدي" لمحمد بن عطية. وشاركت بدور الأم في شريط "حفيد عائلة مراد" للمخرج أيوب يوسف.