سلوى الرابحي وشعرية الإصغاء

الشاعرة التونسية تصغي إلى نوبات وردود أفعال الأمواج تجاه انكسارات تستقر على الشاطئ.


الشاعرة تستعير معجم الأصوات من قاموس الطبيعة


الشعر يكتب بعد العاصفة وما حملته من انكسارات

للشاعر فلسفته في تمثل لحظات الكتابة الشعریة، لحظات تجمع بین مدرکات الحواس والإحساس. والشاعرة التونسیة سلوی الرابحي  تفلسف تجربتها الشعرية وهي تجمع بین الإصغاء إلى الأصوات البعيدة الغاضبة من عمق الأرض كالبركان، والإصغاء إلى رجع صدى الأمواج العالية حين تهدأ. تصور شعرية تشكيل الأحاسيس باللغة، شعرية الكشف بحثا عن النغمة الضائعة. وشعرية النشوة.
شعرية الإصغاء 
تصغي الشاعرة إلى نوبات وردود أفعال الأمواج تجاه انكسارات تستقر على الشاطئ. فالشعر يكتب بعد العاصفة وما حملته من انكسارات. تلك الأصوات تكرر حضورها في الزمن. والطبيعة تمنح الذات تكرار هذه التجربة، وكأن الأصوات تنبلج من زمن قديم ومنذ انبثاق لحظة الخلق، كأنها تعيد صوت الإنسان في لحظات الإصغاء إلى الصمت، استرجاع صدى ما تعج به نفسه من جروح وتشققات، فينبري "جرح في السماء كالرعد حين تقترب لا تسمع حتى صراخك، تصبح أصم، وحين يهدأ صوتها يسري في دمك مثل روح تعود الى روحها الضائعة". 
فالشعر إيقاع باطني يحاكي إيقاع العواصف وألوانها وأشكالها وموسيقاها، يحاكي أصواتا تتكلم بها الطبيعة والكائنات الأخرى لهذا تتلبس الحالات الإنسانية. وصخب العواصف يخفي رقة العواطف، وكأنها تخبرنا عن رهافتها وعن عمق جروحها، طفولة المعنى المغلف بالدهشة، أو ما يحبه الطفل الكامن في الإنسان لأن أصوات العواصف تمنحه لحظات الشعرية:

النشوة تنبعث من الداخل في حالة نفسية أو إبداعية معينة تفيض علی الجسد فتحرك مساماته الصغيرة، تتحول إلی أبواب تنفذ إلی دواخلها وتشكل أکوانها واستعارتها ورؤاها
 

في الهدوء تستمع إلی أعماقك حشرجة الدواخل
حفيف الخيال
مواء الرغبة
موسيقی النبض
تستمع إلی المعنی دون لغة
قال الأطفال
بكت أشجار من فرط عذوبة صوت الطير
أحب المطر 
صوت المطر تطرق السقف
تنقر بلور النافذۃ
وقد استعارت الشاعرة معجم هذه الأصوات من قاموس الطبيعة (حشرجة الدواخل، حفيف الخيال، مواء الرغبة). وفي مرحلة ثانية منحت الطبيعة أصوات الإنسان (بكت أشجار، عذوبة صوت المطر، المطر تطرق صوت السقف .. تنقر بلور النافذة).
ومن بين الشعراء الذين كتبوا عن شعرية الإصغاء الشاعر الفرنسي كلود روي claud roy في قصيدته "الاستماع إلی الصمت"، إذ تناولت الاستماع إلی ما قاله الريح حين يهدأ. وتذكر ما قاله وهو يركض. ما قاله حين يصمت. الاستماع إلى صوت الماء ينقر بأصابعه على الأسقف والنوافذ. وصوت الطائر حين يصمت..الاستماع الى لغة الصمت:
شعرية تشكيل الأحاسيس
تتحول الأحاسيس إلی صور تعبر عن معنی. بالاستناد إلى حقل رمزي جمالي يشكل عوالمه المضبوطة بإيقاع معين. فالشاعرة بصدد اكتشاف أسرار جديدۃ في الكون. تناهت إليها في شكل ذبذبات أو ترددات أو إرساليات كتفاصيل جديدة خفية وضائعة عن العقل الواعي. واللغة هي وعاء رمزي لأحاسيس وأفكار تشكلت في غفلة عن العالم الواعي.
ما ترسمه الطفلة من غيمات على الشجر
تبللها. هي من تهطل لتصير عجينة..
ديسمبر شهر يرسمه الأطفال 
علی أغصان الأشجار الجرداء
وها هم رسموا طيرا فوق الغيم
وميض الروح لمعان الذكرى في عتمة 
إشراقة التراب
تبصر الومض في زمن العماء
نشوة المعنى والارتجاف في حضرة الرؤى
صورة مرسومة في الرمل محتها الريح
الصورة الشعرية ليست صورة نمطية بل ونحن نتأمل الصورة وموضوعها، تحيي شوقنا للحظات شعرية نتفاعل معها جماليا. الغيمة ليست مجرد كتلة رمادية تتجمع لتهطل مطرا منهمرا إنها تحيي فينا جمالية المطر المنسكب على الجسد، التراب اللين وقد تحول إلى عجينة رخوة، لحظات خلق الحياة في الأشياء الصلبة، ففي التراب إشراقة الرؤى، وميض الذكريات، ما يحرك فينا حنين الإبداع، ما يدعونا لإكساء الأرواح العارية. والشجرة المجردة من الأوراق قد تكون استعارة  لشجرة ميتة تبعث فيها الروح من جديد لتتباهى برتق ثوب الحياة اليانع اليافع المزهر المثمر، تجسيد أشكال الحياة التي تمحى لتتشكل، فالمعنى الهارب يعود مع كل انبلاجة حياة خصبة.
فالصورۃ الشعرية نورانية محملة بالرؤى وإشراقتها على التراب. الرؤيا والرجفة في حالة تشكيل المعنى. تختفي الصورة المادية للشاعرة وتشكل صورة أخرى.  

شعر
لحظة الخلق الشعري

شعرية الكشف 
يعانق الشاعر الأزل كلما عزفت النغمة الضائعة. كلما عثرت علی نبتة خفية. عشبة برية منسية. تركن في عمق الذاكرة وأقاصي الطفولة، تفيض بجمالها ونضارتها. هي نغمة الآلة تنعكس علی العشب كعزف ناي لراع يفترش العشب الندي. الموسيقی تتلحف كساء أرضيا أينع في غفلة عن العقل:
"تنبت في جنة الشاعر شجرة توت أزلية في لحظات الكشف 
تنبت لحظة الكشف مثل عشبة برية منسية 
تنزف مثل الشاعر وتنبض باسم الآلهة
لا يجب أن يقربها القارئ رغم حلاوتها ولذتها
مكشوفة الروح
تختبئ تحت شجيرة توت قد ترث روحها 
لغة مكشوفة أو رمزية
بساطة ما ترى"
تجاوزت الشاعرة حالة الإصغاء وهي تستظل بشجرة توت قد ترث ما انكشف لها. قد ترث تجلياتها. تحمل ثمرتها نكهة لغة لذيذة، حلوة، معطرة. ولكنها ثمرة إلاهية تعتريها قداسة، ما وترتقي إلى حالة روحانية أبعد عن إدراكها حسيا. هي روح الشاعرة التي توقد حطب اللغة لتضيء نارا لا تمس فهي كمشكاة نور كلهب في لون التوت الطازج، ولكنه توت بري هي روح مكشوفة لتلمس إشراقتها.
شعرية النشوة
نشوة الشعر أن تری تفاصيل الأشياء وقد ضخت فيها حياة وحركة و متعة. تنعتق عن الواقع المباشر إلی آخر لا يری، ولكنك تتخيله في لحظات جنون فني. رٶية الوجه الآخر بالعين الثالثة. 
إنها العوالم التي تتشكل خفية أو سرا. فالطبيعة كما الإنسان لا تكشف جمالية جنونها كاملة، لذلك تكشف وتحجب، ولكنها تنعتق من قيودها كلما سكرت تحت تأثير ما، والمطر يسكر الإنسان والتراب والإحساس والحواس والكون، وكل غيمة هي قنينة خمرة. لذلك يظل طعم الرذاذ عالقا في الفم یتقاطر من سحابة شهية لها مذاقها الخاص الأقرب إلی طعم العنب المخمر. فالسماء كما الغيم ثغر يمنح النشوة يفتح أكوانا جديدۃ.
جذور الأشجار ترقص خفية كي لا يقال جن الشجر
أشعر بثقوب الأرض الظامئة وكأنها تنتمي إلى عيون جلدي الرهيف
لا شيء أصعب من رحيل سحابة
كانت ستعطر ترابك خمرها
كم كنت جدبا يا ترابي
حين تسكرك انتظار هطولها
رحلت سحابتك الشهية
العبور إلی تراب حقلة الأعناب
يصعد ثمرها المتخفي إلی ثغر السماء
فسال من ثغر الغيوم شذاها
الأرض أرض الحقل ها قد فتحت أكوانها
فقد عاد من فرط الروی أحبابها 
الجذور ترقص، جن الشجر، ثقوب الأرض مثل مسامات الجلد
رحيل سحابة بمذاق خمري تعطر التراب
التراب يسكر عند هطول المطر
سحابة شهية
يتحول التراب إلى حقلة أعناب
سال من ثغر الغيوم شذاها
النشوة هي عناق الروح بالجسد، طعم حالة السكر، اتساع فضاء الحلم، إمكانية لتنفس المعنى، بهجة العطور، ما يفتح الشهية على الحياة.
إن كانت أغصان الأشجار ترقص حسب قوۃ الريح، فكيف لا ترقص جذورها كلما تضمخت بالمطر في التراب الجاف؟ وكيف لا تتحول من جذور متكلسة إلی رخوة لينة. أليس المطر ما يمنح الحياة وجمالية الحركة. ألا يرقص الأطفال تحت المطر؟ ألا يحلم المبدعون والعشاق بالمشي تحت المطر؟ 
إن النشوة تنبعث من الداخل في حالة نفسية أو إبداعية معينة تفيض علی الجسد فتحرك مساماته الصغيرة، تتحول إلی أبواب تنفذ إلی دواخلها وتشكل أکوانها واستعارتها ورؤاها. إنها لحظة منشودة، لحظة الخلق الشعري بامتياز تحمل معها عواطفها الجياشة التي تطرب الجسد.