من الوظيفة التقليدية إلى الشراكة الاستراتيجية: الذكاء الاصطناعي وإدارة الموارد البشرية في قطاع البترول

كتاب د.عز السيد الصادق يبدأ بإضاءة التحوّل الجذري الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في الفكر الإداري الحديث.

يقدم د.عز السيد الصادق في كتابه "دور الذكاء الاصطناعي في دعم ممارسات إدارة الموارد البشرية بقطاع البترول" مرجعا حيويا يتناول التقاطع بين التقنيات المتقدمة وإدارة رأس المال البشري في قطاع يُعدّ عصب الاقتصاد العالمي، وهو قطاع البترول. ويطرح الكتاب رؤية شاملة حول كيفية تحوّل إدارة الموارد البشرية من وظيفة إدارية تقليدية إلى دور استراتيجي يعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي لتحقيق التنافسية والاستدامة، منطلقا من فرضية مفادها أن دمج الذكاء الاصطناعي ليس مجرد ترف تقني، بل ضرورة حتمية لمواجهة تعقيدات العمليات البترولية وتقلبات الأسواق.

يبدأ الكتاب الصادر أخيرا عن دار الأدهم بالقاهرة بإضاءة التحوّل الجذري الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في الفكر الإداري الحديث، حيث ينطلق الصادق من رؤية مفادها أن هذه التقنية ليست مجرد أدوات برمجية، بل فكر تنظيمي متكامل بدأ يتشكّل منذ منتصف القرن العشرين مع تجارب آلان تورينغ وإسهامات جون مكارثي، وصولًا إلى عصرنا الحالي الذي يشهد ثورة غير مسبوقة في التعلم الآلي ومعالجة اللغات الطبيعية. وقد أتاح ذلك للأنظمة الذكية القدرة على محاكاة القدرات الذهنية البشرية بدقة وسرعة فائقة.

يستعرض الصادق تطوّر إدارة الموارد البشرية التي لم تعد مجرد قسم لشؤون الموظفين بمهام روتينية كما كانت في زمن الثورة الصناعية، بل تحوّلت إلى شريك استراتيجي يسهم في رسم مستقبل المؤسسات، ولاسيما في قطاع البترول الذي يتسم ببيئة عمل معقدة، ومخاطر عالية، ومواقع إنتاج نائية، تتطلب كفاءات بشرية بمواصفات خاصة وقدرة مرتفعة على التكيّف مع التغيرات التقنية المتلاحقة.

ويسترسل الصادق في توضيح الكيفية التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي صياغة ممارسات التوظيف والتدريب داخل شركات البترول، حيث يتم الانتقال من الفرز اليدوي التقليدي إلى الأنظمة الذكية التي تضمن تحييد التحيّز البشري واختيار الكفاءات استنادًا إلى بيانات تنبؤية دقيقة. كما يتطرق إلى ثورة التدريب المخصص التي تعتمد على تحليل فجوات المهارات لكل موظف على حدة، وتقديم محتوى تعليمي يتناسب مع احتياجاته الفعلية. ويمتد هذا الأثر ليشمل أنظمة تقييم الأداء التي باتت تعتمد على تدفقات البيانات اللحظية والتحليلات التنبؤية لتحديد الرواتب والمكافآت بصورة أكثر عدالة وفعالية، مع تركيز مكثف على دور التكنولوجيا في تعزيز الأمن والسلامة المهنية من خلال المراقبة الذكية لمواقع العمل البترولية، بما يسهم في تقليل الحوادث وحماية العنصر البشري في البيئات عالية الخطورة.

ولا يكتفي الصادق برصد المزايا، بل يغوص في التحديات القانونية والأخلاقية التي ترافق هذا التحول الرقمي، مناقشًا ضرورة وجود أطر تشريعية تحمي خصوصية بيانات الموظفين وتضمن شفافية الخوارزميات المستخدمة في اتخاذ القرارات المصيرية. كما يعالج المخاوف المرتبطة بإحلال الآلة محل الإنسان، ويطرح رؤية متوازنة تؤكد أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تعريف الأدوار البشرية، بحيث يصبح الإنسان مراقبًا وموجّهًا استراتيجيًا لهذه الأنظمة، بدلًا من الانغماس في المهام التكرارية.

قطاع البترول يتميز ببيئة عمل معقدة ومواقع نائية تتطلب كفاءات بشرية بمواصفات تقنية دقيقة وقدرة عالية على إدارة المخاطر المهنية

الكتاب جاء في خمسة فصول متكاملة تشكّل، في مجموعها، خارطة طريق علمية وعملية لفهم هذا التحول التقني؛ إذ يستهل الصادق الفصل الأول بتأصيل مفاهيم الموارد البشرية وتطورها التاريخي وخصوصيتها في قطاع البترول، رصدا للتحول التاريخي العميق لإدارة الموارد البشرية، حيث لم تكن هذه الإدارة مفهومًا ثابتًا، بل تطورت من "إدارة شؤون الموظفين" البدائية التي ظهرت مع الثورة الصناعية للتعامل مع مشكلات الرقابة وحفظ السجلات، إلى "إدارة الموارد البشرية" كشريك استراتيجي، موضحا أن هذا التحول في قطاع البترول له طابع خاص؛ فالقطاع يتميز ببيئة عمل معقدة ومواقع نائية تتطلب كفاءات بشرية بمواصفات تقنية دقيقة وقدرة عالية على إدارة المخاطر المهنية. هنا، لم تعد الموارد البشرية مجرد عامل إنتاج، بل أصبحت "رأس مال بشري" يمثل الميزة التنافسية الحقيقية والمحرك للابتكار في المؤسسة، لينتقل في الفصل الثاني إلى سبر أغوار الذكاء الاصطناعي من جذوره التقنية وصولًا إلى أحدث تطبيقاته المعاصرة ومحركاته الأساسية، مستعرضًا جذوره التي تمتد لمنتصف القرن العشرين مع "اختبار تورينغ" وإسهامات جون مكارثي. ولا يكتفي الصادق بالتعريفات التقليدية، بل يشرح كيف تتكامل تكنولوجيات متعددة مثل "التعلم الآلي" (ML) و"معالجة اللغات الطبيعية" (NLP) و"التعلم العميق" الذي يحاكي عمل الدماغ البشري. كما يفرّق بين "الذكاء الاصطناعي الضيق" المتخصص في مهام محددة، و"الذكاء الاصطناعي العام" الذي يطمح لمحاكاة الإدراك البشري الشامل. ويمتد العرض ليشمل تطبيقات واقعية مثل روبوتات الدردشة ChatGPTوBard والسيارات ذاتية القيادة، ليمهّد الطريق لفهم كيفية إسقاط هذه التقنيات على بيئة العمل.

أما الفصل الثالث، فيركز على الجانب التطبيقي المحوري من خلال تحليل أثر هذه التقنيات في ممارسات الموارد البشرية الفعلية داخل البيئات البترولية، مثل الاستقطاب والتدريب وتقييم الأداء، حيث يتتبع أثر هذه التقنيات على الممارسات الفعلية في شركات البترول، موضحا كيف انتقلت عمليات التوظيف من الفرز اليدوي إلى "الأنظمة الذكية" التي تحيّد التحيّز البشري وتتنبأ بنجاح المرشح بناءً على تحليل البيانات الضخمة. كما يتطرق إلى ثورة "التدريب المخصص" التي تعتمد على تحليل فجوات المهارات لكل موظف وتقديم محتوى تعليمي يلبي تطلعاته الفردية. وفي جانب تقييم الأداء، يبرز دور التحليلات التنبؤية في مواءمة أهداف الموظفين مع أهداف المؤسسة "SMART". ولعل الأهم في هذا الفصل هو التركيز على "الأمن والسلامة المهنية"؛ حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي في المراقبة الذكية للمواقع المعزولة والصيانة التنبؤية للأعطال قبل وقوعها، مما يقلل الحوادث ويحمي العنصر البشري في أكثر البيئات خطورة.

بينما يُكرَّس الفصل الرابع لمناقشة التحديات القانونية والأخلاقية والمهنية التي تكتنف هذا التحول الرقمي، ويطرح إشكاليات "خصوصية البيانات" و"شفافية الخوارزميات" المستخدمة في اتخاذ قرارات مصيرية مثل الترقية أو الاستغناء. كما يعالج "فوبيا" إحلال الآلة محل الإنسان، مقدمًا رؤية متوازنة ترى أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي الدور البشري، بل سيعيد تعريفه ليصبح الإنسان "موجّهًا استراتيجيًا" ومراقبًا لهذه الأنظمة بدلًا من الغرق في المهام التكرارية المملة.

ويأتي الفصل الخامس والأخير ليتوّج هذا الجهد الأكاديمي باستشراف مستقبل القطاع ورسم سيناريوهات التحول المحتملة، مما يجعل الكتاب وحدة معرفية متسلسلة تربط بين التأسيس النظري، والواقع التطبيقي، والرؤية المستقبلية. يستشرف الصادق مستقبل قطاع البترول في ظل التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة والاستدامة، مؤكدًا أن تبنّي الذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد البشرية لم يعد خيارًا ثانويًا، بل يمثل الضمانة الحقيقية لتحقيق التنافسية العالمية وتحويل التحديات التشغيلية إلى فرص للابتكار والنمو المستمر. وفي هذا الإطار، يرسم ثلاثة مسارات مستقبلية تعكس مستويات متفاوتة من التفاعل مع التكنولوجيا؛ أولها سيناريو التكامل الكامل، الذي يمثل الصورة النموذجية لقطاع بترول ذكي ومرن، حيث تندمج التقنية في كل خطوة من سلسلة القيمة، بدءًا من الاستكشاف وصولًا إلى التوزيع، بما يخلق بيئة عمل تتفاعل لحظيًا مع البيانات الحية، وتعتمد الصيانة التنبؤية والنمذجة الذكية لتقليل المخاطر. وفي هذا النموذج، تتماهى المهارات التقنية مع المعرفة البترولية التقليدية، ليُعاد تشكيل هيكل الوظائف على نحو يعزز الابتكار التشاركي بين الإنسان والآلة، ويجعل القطاع أكثر جاذبية للكفاءات النوعية وأكثر قدرة على قيادة التحول نحو الطاقة الخضراء.

أما المسار الثاني، فيتجسّد في سيناريو التحوّل الجزئي، وهو واقع وسطي تتبنى فيه المؤسسات تقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة محدودة ومرحلية لمعالجة مشكلات تشغيلية ضيقة. ومع أن هذا المسار يحقق مكاسب موضعية في كفاءة بعض الوحدات، فإنه يظل مقيدًا بغياب الرؤية الاستراتيجية الشاملة وضعف الاستثمار في البنية التحتية الرقمية المركزية، مما يخلق فجوة بين القدرات التكنولوجية المتاحة وقدرة العنصر البشري غير المدرّب على توظيفها بفاعلية. ويضع هذا الوضع القطاع في "منطقة رمادية" تمنعه من بلوغ التميز، ويجعله عرضة للتراجع أمام المنافسين الذين اختاروا مسار التكامل الشامل. وفي المقابل، يبرز سيناريو المقاومة التكنولوجية بوصفه تحذيرًا استراتيجيًا من الجمود المؤسسي، حيث تطغى الثقافة المحافظة والتخوّف من فقدان السيطرة الإدارية على ضرورة التحديث، ما يؤدي إلى انكشاف المؤسسات أمام المخاطر البيئية والتنظيمية، وفقدان القدرة على جذب الأسواق، لتغدو المقاومة في هذه الحالة خطرًا مباشرًا على البقاء المؤسسي في عالم تُعاد صياغة قواعده بالبيانات والخوارزميات.

وبإسقاط هذه الرؤية على الواقع المحلي، يبدو أن قطاع البترول في مصر قد بدأ بالفعل خطوات جادة نحو الثورة الذكية، وهو ما تترجمه مبادرات طموحة مثل "بوابة مصر للاستكشاف والإنتاج" (EUG)، التي تمثل منصة رقمية عالمية لجذب الاستثمارات، إلى جانب التعاون المثمر مع شركات دولية كبرى لتدريب الكوادر المصرية على حلول الذكاء الاصطناعي في تحفيز الحقول وزيادة الإنتاج. ورغم هذه البدايات الواعدة، فإن مسار التحول لا يزال في مراحله الأولى، ويحتاج إلى تغلغل أعمق في بنية القطاع بالكامل، من خلال تكثيف الاستثمار في الحوسبة السحابية ومنصات التحليل الشاملة، وسد فجوة المهارات الرقمية لدى القوى العاملة. ويظل مستقبل القطاع في مصر معتمدًا، بالدرجة الأولى، على تحويل هذه المبادرات إلى سياسة مؤسسية مستدامة تجعل من الذكاء الاصطناعي ركيزة بنيوية في تطوير هذا القطاع الاستراتيجي، بما يضمن تحوّله من أداة داعمة إلى محرّك رئيسي للنمو في عصر الطاقة الجديد.