من شرفة سبينوزا

النظرُ من شرفة سبينوزا يعني إعمال العقل لفهم الظواهر والقدرة على التأويل، وفهم الأفكار على ضوء متطلبات المرحلة التاريخية.


قيمة الثورة الفكرية تكمنُ في خلخلة الأنساق السكونية


سبينوزا لم يكن ملحداً بل أنَّ الله هو علة محايثة للعالم حسب فلسفته

يستمدُ الفلاسفة والمفكرون مكانتهم الريادية في المسيرة الإنسانية من خلال ما أنجزوه من المكتسبات المعرفية التي فتحت أفقاً أرحب، لإنطلاقات تاريخية، ولولا ثورة هؤلاء القادة لما تمكنت البشرية من النهوض من الكسل العقلي، وأصبحَ الركونُ إلى المتواضع عليه، والولاء إلى المفاهيم السائدة بمثابة نظام لا يمكنُ تقويض أركانه. 
إذاً تكمنُ قيمة الثورة الفكرية في خلخلة الأنساق السكونية، وبذلك يتم الإنشقاق عن المسارات المطروقة، وتتضاعفُ الإمكانياتُ لإختراق المنظومات المتزمتة. زيادة على ما سبق، فإنَّ أصحاب المشاريع الفكرية يضيفونَ بمواقفهم الجريئة مثالاً حياً حول ما يكلفهُ فك الإنسدادات من العناء والجهود المضنية. 
ومن نافلة القول التذكير بأن الملاحقة كانت مصيراً لعديد من الفلاسفة، إنْ لم تتم تصفيتهم جسدياً، ولعلَّ الفيلسوف الهولندي سبينوزا أكثر من يجسدُ مرارة الصراع مع القيم المُهيمنة، وما يكلفهُ الإنشقاق من التفسيرات السائدة بشأن شكل العلاقة بين الدين والدولة، ورفضه لسلطة الكهنوت، والوصاية على العقل من المطاردة، ومن المعلوم أنَّه قد تعرض لمحاولة الإغتيال، فيما كان خارجاً من الكنيس البرتغالي فإذا بشخص هاجمه ليطعنه بالسكين، لكن الضربة لم تصب منه سوى الملابس. وقد احتفظ سبينوزا بمعطفه الممزق شاهداً على الأخطار المتربصة به.
يعتبر سبينوزا العقل معياراً وحيداً للحقيقة، وهذا ما ألبَّ عليه أبناء طائفته. صحيح كان باروخ سبينوزا متأثراً بديكارت وبقاعدته التي تقتضي بعدم القبول بأمر ما على أنَّه حقيقي ما لم يكن ذلك قد ثبت مسبقاً بموجب حجج جيدة وصلبة، لكنَ يتمكنُ من تجاوز الثنائية التي تقوم عليها الفلسفة الديكارتية (الروح والمادة) إذ يؤسسُ لمنظومة فلسفية جديدة لم تعد تفصلُ بين الخالق والخليقة، وبين الروحي والمادي وتتعقل الإنسان والروح والجسد والميتافيزيقا من خلال حركة واحدة. حسب ما يشرحُ ذلك المفكر الفرنسي فريدريك لونوار في كتابه "المعجزة السبينوزية"، وبما أنَّ سبينوزا ينطلق من العقل لذا فإنَّ الرسالة التي أراد تبليغها تحتفظُ بقيمتها الفكرية على مرِّ الزمن.

السلطات الدينية عرضت صفقة على سبينوزا بموجبها يتظاهر الأخير بإتباع الطقوس الدينية وعدم نشر أفكاره الفلسفية مقابل مرتب سنوي غير أنَّه رفض الإستسلام لهذا النفاق

تجربة فريدة
لا يكتملُ الفهمُ لأفكار الفلاسفة والتحولات التي شهدتها مواقفهم دون العودة إلى حيثيات تجربتهم الحياتية، إذا كان نيتشه يقولُ بأنَّ كل كائن إنساني أعجوبة، فإنَّ هذا الرأي ينطبقُ أكثر على صاحب المشروع الفلسفي، لذا فإنَّ إكتشاف عالم المغامرين على الصعيد الفكري تجربة تستحقُ التأمل، كما يفعلُ ذلك فريدريك لونوار حيث يسردُ قصة معرفته لسبينوزا. 
يعترفُ لونوار بأنَّه قد اكتشف سبينوزا في فترة متأخرة لافتاً إلى أن هذا التحول قد أبانَ عن السبب وراء تأثره بالفنان الهولندي فرمير، فهو على غرار فلسفة سبينوزا أن الإنسجام الذي تكشفه الإضاءةُ في لوحاته يخلفُ شعوراً مريحاً في النفس. وكان لقراءة كتاب "الإيتيقا" وقع عميق على شخصية فريدريك لونوار حيثُ يقودهُ إلى دروب جديدة ودفعه إلى طرح أسئلة غير مألوفة. والأهم في فلسفة سبينوزا هو إيمانه بأنَّ العالم قابل للتعقل فلا شيء يكون غير عقلاني برأي سبينوزا، بما فيه السلوكيات التي تبدو مناقضة للعقل "الغيرة، الغضب، الكراهية" غير أنَّ كل ذلك سيتم تفسيره وفق المنطق العقلاني تماماً مثل الظواهر الطبيعية، ومن يمارس الحياة وفقاً لتوجيه العقل بإمكانه تحويل كراهية الآخرين وسخطهم إلى حب وود، ومن هنا نفهمُ مغزى الحكمة السبينوزية "لا تسخرْ ولا تأسفْ ولا تكرهْ بل افهمْ" يعتقدُ لونوار بأنَّ هذه العبارة تلخص النية التي توجه سبينوزا.
الإنشقاق
ما يجمعُ الفلاسفة رغم إختلافهم في الرؤية والتباين في المثابات الفكرية هو رغبتهم الشديدة للإنشقاق من التيار السائد، ألم يرحبْ نيتشه بكل المنشقين الأسطوريين؟ مطالباً بضرورة الحذر من الإستقامة المتكلسة، لأنَّ ذلك يكسي علينا جلباب الوعاظ المُضجرين.
ينضمُ سبينوزا إلى صف من آثر مخالفة المتعارف عليه إذ ما أن يبلغ الخامسة عشرة من عمره حتى تثير مبادراته الفكرية ريبةً لدى أبناء طائفته. ومن الأحداث التي تؤثر على سبينوزا، حضوره لمسرح مُعاقبة "إرييل داكوستا" لأنَّ الأخير أنكر الشريعة المنزلة وخلود النفس. كما يصدمه موت تلميذه "أدريان كويبارغ" في إحدى الزنزانات وهو قد عرف بإنتقاده اللاذع ضد الأكليروس. 
وفي الواقع أنَّ ذلك الأمر قد حدا بسبينوزا إلى نشر "الرسالة في اللاهوت والسياسة" تحت اسم مستعار. يتوقفُ لونوار عند علاقة صاحب "رسالة في إصلاح العقل" مع "فان دن إندن"، فالأخير كان ضمن جماعة المسيح لكنه يستبعَدُ قبل تسميته راهباً، ومن ثمَّ ستظهر شخصيته المتحررة، ويتفوقُ إندن في دراسة الطب، ويقوم بإفتتاح مدرسة للاتينية في إمستردام إلى إن يكتسب ثقة الإثرياء وأبناء الطبقة البرجوازية، ولكن ما يلبث حتى يكتشف الجميع بأنَّه كان يقدمُ للطلاب شيئاً آخر عدا اللغة اللاتينية، وينسفُ عقائدهم. 
عندما ينقطعُ سبينوزا عن عائلته مغادراً حي اليهود يقيمُ في منزل فان دن الواقع على قناة السنجل، وهناك يشعرُ بالحب اتجاه ابنة أستاذه "كلارا" وهي كانت تحسن العزف على البيانو، وعلى درجة عالية من الوعي والثقافة غير أن شخصاً آخر يفوز بقلب تلك الفتاة، لأنَّ سيبنوزا يرفض المناورة وإعتناق الكاثوليكية، ويرى المؤلفُ بأن ما يصفهُ سبينوزا بالمرض القاتل ليس سوى كناية لمعاناته العاطفية. والحبُ لا يكونُ مصدر الغبطة الأبدية إلا إذا تم تأسيسه على الفكرة المُطابقة بمعنى أنَّ ما يعجبك مُطابق في حقيقته لصورته الموجودة في ذهنك.
تتسقُ أفكارُ سبينوزا مع المنهج الرواقي في ربطه بين الطمأنينة الداخلية وعدم الإنسياق وراء المؤثرات الخارجية، ويعتقدُ بأنَّ من يكونُ أكثر تعلقاً بالخرافة هم أولئك الذين يرغبونَ بكل جموح في خيرات خارجية. وعلى غرار ما يقتنعُ به الرواقيون تنبثقُ السعادة بنظر سبينوزا من التناغم الموجود بين عالم الإنسان الباطني والطبيعة الخارجية. وهذا يستدعي عدم إطلاق الأحكام أو تصنيف الأشياء إلى حسن وسيء، بل من الضروري تفهمَ الموضوع وفق ما يمكنُ أن يمدك به من طاقة النمو أو ربما يدفعُ بك نحو الإحباط والضعف.

philosophy
الله هو الكل. الكل هو الله

"إننا نسميَّ شيئاً ما حسناً أو سيئاً لجهة ما يثيره فينا من غبطة أو من حزن" فالإنسانُ ليس إمبراطورية داخل الإمبراطورية حسب رأي فيلسوفنا بل يخضعُ لقانون السببية، فبالتالي فإنَّ حرية الإختيار ليست سوى وهم. وفي ذلك يختلفُ عن ديكارت  الذي رأي في الإنسان كائناً وحيداً يتمتعُ بحرية الإختيار. إذاً يكونُ المرءُ حراً بقدر ما يتعرضُ بدرجة أقل لإرغام الأسباب الخارجية ويتوافقُ مع القوانين الطبيعية التي تحددنا.
مؤسس التنوير
ناهضَ سبينوزا التفسير الأحادي للنصوص المقدسة، والدين الحقيقي برأيه عبارة عن أشياء مكتوبة بصورة إلهية في قلب الإنسان، وبذلك قد خرجَ على المعتقدات التي تكرسُ لثقافة العبودية من خلال الضرب على وتر العاطفة الدينية، وهو يقولُ "إنَّ ما يجعلُ من الدين دفاعاً عن أشياء يصنعها البشر وليس إمتثالاً لتعاليم الروح القدس، وما يكرسه لنشر الحرب والكراهية الأكثر قسوة بين البشر وراء القناع من الحماسة والمشاعر الملتهبة بدلاً من أن يكون نشراً للحب هو مخطط خبيث". 
أكثر من ذلك يستنكرُ سبينوزا المعجزات كونها مناقضة للقوانين الطبيعية، كما يؤكدُ على ضرورة الفصل بين اللاهوت والسياسة، لأنَّ منطق الإثنين مختلفان. "إنّه لمن المزعج  جدا سواء بالنسبة إلى الدين أو بالنسبة للجماعة السياسية أن تمنح للأجهزة الأمنية سلطة تنفيذية". 
يشارُ إلى أنَّ الديموقراطية هي النظام السياسي الأمثل برأي سبينوزا، لأنها تقوم على مفهوم المواطنة، ومن المعلوم أنَّ سبينوزا طرد من الملة وصدر بحقه قرار "حِرم" وهذا من أشد أنواع العقاب الذي يسلطُ على رقاب من يتهم بتجديف عقائد الجماعة.
يذكر أنَّ السلطات الدينية قد عرضت صفقة على سبينوزا بموجبها يتظاهر الأخير بإتباع الطقوس الدينية وعدم نشر أفكاره الفلسفية مقابل مرتب سنوي غير أنَّه رفض الإستسلام لهذا النفاق.
ما يجدرُ بالذكر أنَّ سبينوزا لم يكن ملحداً بل أنَّ الله هو علة محايثة للعالم حسب فلسفته، وما يقولهُ سبينوزا بهذا الشأن يضاهي فكرة وحدة الوجود "الله هو الكل. الكل هو الله" وما يجبُ الإشارة إليه أنَّ الرغبة ركن أساسي في فلسفة سبينوزا، يتناولُ لونوار رؤيته لهذا الموضوع موضحاً أن إنتزاع الرغبة باسم المثل الأعلى ليس فضيلة بل هو إضعاف للقدرة على الوجود، ويقودُ إلى الحزن.
النظرُ من شرفة سبينوزا يعني إعمال العقل لفهم الظواهر والقدرة على التأويل، وفهم الأفكار على ضوء متطلبات المرحلة التاريخية. والبحث عن البراهين بإعتبارها أعين الروح نبصر بها.