من يلتسين إلى ترامب: بين كاريزما الفوضى وهدم الدولة
تفكيك ظاهرة القيادة السياسية ومقارنتها عبر التاريخ يكشف غالبا عن قواسم مشتركة غير متوقعة بين شخصيات تنتمي لبيئات وثقافات مغايرة تماما.
وبدون منازع، فإن أكثر شخصية سياسية عالمية حاليا إثارة للجدل هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي تستحوذ تصريحاته وتصرفاته على كل وسائل الإعلام على مدار الساعة، ليس فقط لأهميتها باعتباره رئيس أعظم دولة في العالم، لكن أيضا بسبب تناقضات وتضارب تصريحاته وتغريداته في وسائل التواصل الاجتماعي.
في المقابل، فالشخص الوحيد الذي يمكن أن ينافسه خلال الثلاثين عاما الماضية هو الرئيس الروسي بوريس يلتسين. وبالتأكيد، فإن الكثير من جيل "زد" قد لا يعرفون من هو يلتسين، فهو الزعيم الروسي الذي حول بلاده من دولة عظمى إلى مجرد دولة مديونة تعيش على المساعدات والهبات الغربية.
المقارنة بين يلتسين وترامب تعد واحدة من أكثر القراءات التحليلية إثارة للاهتمام في العلوم السياسية، حيث يجمعهما نمط مشترك يتعلق بالأسلوب الشعبوي، وتفكيك المؤسسات التقليدية، والاعتماد على الولاءات الشخصية.
تميز كلاهما بالقدرة على كسر النخب السياسية التقليدية والحديث المباشر إلى الشارع بلغة بسيطة وغير دبلوماسية. صعد يلتسين كبطل شعبي عندما وقف فوق الدبابة عام 1991 متحديا الانقلاب السوفيتي، مقدما نفسه كمنقذ للشعب من البيروقراطية الشيوعية. أما ترامب، فقد قدم نفسه كمنقذ للطبقة العاملة الأميركية ومحارب لـ"مستنقع واشنطن" والنخبة السياسية، معتمدا على التجمعات الجماهيرية الضخمة ووسائل التواصل الاجتماعي.
كما أظهر كلاهما ميلا واضحا لعدم الثقة في مؤسسات الدولة العميقة، والاعتماد بدلا من ذلك على الولاء الشخصي المطلق والعائلة. ففي عهد يلتسين، برز مصطلح "العائلة"، الذي كان يشير إلى ابنته تاتيانا دياشينكو ومجموعة ضيقة من المستشارين والمليارديرات الذين أداروا القرار من خلف الستار. وفي عهد ترامب، برز دور ابنته إيفانكا ترامب وزوجها جاريد كوشنر كمستشارين رئيسيين في البيت الأبيض، متجاوزين أحيانا القنوات الدبلوماسية والمؤسسية المعتادة.
واتسمت شخصية الرجلين بالرغبة في تفكيك الهياكل القائمة بدلا من إصلاحها. فقد قاد يلتسين عملية تفكيك المؤسسات البيروقراطية الروسية، مما خلق فراغا إداريا كبيرا. بينما تبنى ترامب عقيدة تفكيك "الدولة الإدارية"، ودخل في صدامات مستمرة مع أجهزة الاستخبارات ووزارة الخارجية ووزارة العدل، معتبرا إياها جزءا من "الدولة العميقة" التي تعادي أجندته.
وعُرف كلاهما بأسلوب إدارة يميل إلى الفوضى والمفاجآت. كان يلتسين دائم التغيير للحكومات والوزراء بشكل مفاجئ لضمان عدم صعود منافس له. واعتمد ترامب أسلوبا مشابها، تميز بمعدل دوران مرتفع جدا للمسؤولين في إدارته، والإقالات المتتالية عبر وسائل الإعلام أو منصات التواصل.
ومن أبرز خطايا يلتسين الاقتصادية تبني سياسة "العلاج بالصدمة" والخصخصة السريعة وغير المدروسة في التسعينيات، والتي أدت إلى انهيار الطبقة الوسطى وظهور طبقة رجال الأعمال الذين سيطروا على ثروات الدولة.
في المقابل، يرى منتقدو ترامب أن سياساته الاقتصادية، وخاصة التخفيضات الضريبية الضخمة عام 2017، صبت في مصلحة الشركات الكبرى والمليارديرات، مما ساهم في تعميق الفجوة الاقتصادية في المجتمع الأمريكي، فضلا عن تقريب شخصيات من قطاع الأعمال والمال لإدارة ملفات حيوية.
وعندما واجه يلتسين تدنيا حادا في شعبيته وأزمات اقتصادية طاحنة، اتخذ قراره الكارثي بشن الحرب الشيشانية الأولى (1994-1996) تحت شعار "حرب خاطفة منتصرة" لاستعادة الهيبة، لكنها تحولت إلى مستنقع دموي دمر الجيش الروسي وهز صورة الدولة. أما ترامب، فقام باعتقال رئيس فنزويلا في بداية حكمه، وبعدها قرر ضرب إيران، وحتى الآن ما زال يعاني للخروج من المستنقع الذي أضر بالهيبة الأميركية على مستوى العالم.
وفي ديسمبر 1991، التقى يلتسين مع زعيمي أوكرانيا وبيلاروسيا، ووقعوا اتفاقا أعلن رسميا انتهاء الاتحاد السوفيتي وتأسيس رابطة الدول المستقلة. كما أدت تصرفاته الشخصية وقراراته السياسية المترددة إلى تراجع مكانة دولته كقوة عظمى. أما ترامب، فمن خلال شعار "أميركا أولا"، اتخذ قرارات بالانسحاب من اتفاقيات دولية كبرى، مثل اتفاقية باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني، وشكك في جدوى حلف الناتو، مما أدى - بحسب محللين - إلى تآكل الثقة التاريخية بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين، وترك فراغا استراتيجيا استغلته قوى أخرى مثل الصين وروسيا.
هذا كله، بالطبع، بالإضافة إلى أخطائه الجيوسياسية الأخرى: إبعاد حلفاء الولايات المتحدة من خلال التهديد بغزو جرينلاند، ومحاولة إجبار أوكرانيا على قبول تسوية سلام غير مواتية مع روسيا، وحتى زيارته للصين أفرزت تجميدا لمبيعات الأسلحة إلى تايوان.
وحتى الآن، ما زال الرئيس الأميركي يطلق سلسلة مذهلة من الإجراءات التي تبدو للبعض وكأنها مصممة خصيصا لإضعاف الولايات المتحدة الأميركية، أحيانا بتحريض من متطرفين يمينيين، وأحيانا أخرى بسبب نزواته المتقلبة، لدرجة يشعر معها الجميع بالإرهاق من متابعة أخباره، حتى إنهم باتوا مصابين بما يعرف بـ"متلازمة ترامب".
ويشبه البعض حرب إيران بأنها المعادل الموضوعي لحرب الشيشان التي أشعلها يلتسين لتحسين شعبيته، لكنها تسببت في تضرر بلاده. ويرى هؤلاء أن التوصل إلى اتفاق لصالح إيران سيكون انكسارا لأميركا، وأن تداعياته ستماثل إعلان تفكيك الاتحاد السوفيتي.
هزيمة الولايات المتحدة ليست ممكنة من عدو خارجي، وهذا ما طرحته مراكز بحثية عديدة. حتى شركات صناعة الأفلام في هوليوود تخيلت سقوطها من خلال فيروس قاتل أو زلزال مريع إلخ.
لكن، أيًّا كانت النتائج فالحقيقة الثابتة هي أن الدول العظمى في عصر ما بعد النووي، لا يمكن هزيمتها من الخارج وإنما من الداخل، حتى لو خسرت معركة هنا أو تخلّى عنها الحلفاء هناك.. والشاهد، هو نموذج الاتحاد السوفيتي السابق الذي ما زال ماثلاً في الأذهان.