'موت عزرائيل'.. رحلة في الخيال والوجود

مفلح العدوان يؤكد من خلال كتابه الجديد على أن القصص ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي وسيلة لفهم الإنسان وعلاقته بالعالم.

عمّان - صدر حديثًا للكاتب الأردني مفلح العدوان طبعة جديدة من كتابه "موت عزرائيل" عن "الآن ناشرون وموزعون". الكتاب عبارة عن مجموعة قصصية غنية بالخيال الرمزي والفلسفة العميقة، ينسج فيها العدوان عوالم متعددة بين السماء والأرض، بين الحرية المطلقة والقيود المفروضة، بين الحلم والواقع، ويقدم من خلالها رحلة وجودية مدهشة للقارئ.

تتجلّى في النصوص شخصية جبرا، البطل الذي يتحرك بين النجوم والكواكب بجناحيه الطليقَين، مستكشفًا الفضاء، متتبعًا حركة الأبراج والنيازك، متأملاً جمال الكون وسحره، لكنه في الوقت نفسه مشدود إلى الأرض، إلى القرية التي تمثل له رمز البهجة والحياة، ملاذًا من قسوة السماء ومراقبة حراسها، في نصوص فرعية تحت عناوين مثل "سوط إيل" و"عروج" و"متّكأ الشقي الحلم"، يصور الكاتب كيف يصبح الخيال جسرًا بين الحرية المطلقة والانغماس في تفاصيل الحياة اليومية، بين طيران جبرا بين النجوم وانغماسه في بهجة القرية، حيث يسكن الإنسان والبسمة الحقيقية والفرح الخالص.

تستحضر نصوص الأرض مثل "زلزال" مشاهد مليئة بالحياة والاحتفال، حيث الرقص، الموسيقى، الضحك، والكرنفالات تجمع الجميع في مشهد بهجة متكاملة، والنساء في القرية يمثلن الجمال والفتنة، بينما الأطفال والكبار يندمجون في لوحة متحركة للفرح، في مشهد يشبه الجنة على الأرض، ويصبح القارئ شاهدًا على ميلاد لحظات صغيرة من السعادة التي تتجاوز حدود الواقع، هذه النصوص تعكس قدرة العدوان على تصوير الحياة الإنسانية بكل تعقيداتها البسيطة والعميقة في الوقت ذاته، فتظهر البهجة كقيمة قصوى وسط عالم يسكنه الصراع.

في المقابل، تأتي نصوص أخرى مثل "دفاتر الغيب" و"فتنة السماء" لتغوص في الرمزية والفلسفة، وتطرح أسئلة وجودية حول القدر والمراقبة الإلهية والصراع بين الحرية الشخصية والقيود المفروضة من قوى عليا، حين يواجه جبرا حراس السماء، ويعيش صراعًا داخليًا بين الطيران والانغماس في القرية، وبين متعة الحرية والمسؤولية، حيث يمتزج التأمل الذهني بالتوغل في عوالم خيالية رائعة.

يُبرز الكتاب أيضًا علاقة الإنسان بالفضاء والزمان، وكيف يمكن أن تعكس تفاصيل الكون مشاعره الداخلية، فجبرا يتتبع خريطة النجوم، يحاكي حركة الأبراج، ويربطها بالذكريات الإنسانية والقرية التي تمثل له مركزًا للفرح والذاكرة، ويصبح القارئ شاهدًا على تداخل العوالم السماوية مع الأرضية في سيمفونية سردية متقنة.

أسلوب العدوان السردي فني ومميز، يجمع بين الوصف البصري الحي، والإيقاع الشعوري، والرمزية العميقة، حيث تتحول الأبراج والكواكب إلى شخصيات حية تشارك القارئ مشاعر جبرا بين الحرية، الحنين، الخوف، والبهجة، فكل نص يحمل بعدًا فلسفيًا واجتماعيًا، يطرح أسئلة حول معنى الحياة والموت، عن الانسجام بين الإنسان والكون، وعن التمسك بالفرح وسط قيود القدر وصرامة الكون.

الكتاب يدعو القارئ إلى إعادة اكتشاف الفرحة والحرية والخيال، ويعيد الاعتبار للذكريات الإنسانية كجزء من رحلة الحياة

كما يبرز الكتاب، الذي زينت غلافه لوحة للفنان نائل العدوان، فكرة الفرح والبهجة كأساس للوجود، فحتى الشخصيات السماوية تتأثر بسحر الحياة البشرية على الأرض، فتخطط للهبوط إلى القرية، تتلمس خيوط البهجة فيها، وتحاول الاقتراب من الفرحة الإنسانية، مما يخلق لوحة سردية متشابكة بين الإنسان والخيال والعالم أجمع.

يؤكد العدوان من خلال هذا العمل على أن القصص ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي وسيلة لفهم الإنسان وعلاقته بالعالم، حيث تصبح القرية والسماء والنجوم شخصيات حية في تجربة فلسفية غنية. الكتاب يدعو القارئ إلى إعادة اكتشاف الفرحة والحرية والخيال، ويعيد الاعتبار للذكريات الإنسانية كجزء من رحلة الحياة.

أخيراً "موت عزرائيل" يمكن تصنيفه كتجربة قراءة متكاملة تترك أثرًا عميقًا في ذهن القارئ، القصص تدفعه للتأمل في وجوده، وقراراته، وفي البهجة التي قد تبدو بعيدة أحيانًا لكنها دائمًا موجودة في تفاصيل الحياة اليومية، بين البشر وبين النجوم والفضاء.

ومفلح العدوان قاص وروائي وكاتب مسرح وسيناريو وصحفي وباحث، مواليد الأردن عام 1966، حاصل على بكالوريوس هندسة كيميائية من الجامعة الأردنية، عام 1990. مؤسس ورئيس مختبر السرديات الأردني لعدة دورات، عمل مديرا لوحدة الشؤون الثقافية في الديوان الملكي الهاشمي-الأردن، ومديرا للمركز الثقافي الملكي في وزارة الثقافة الأردنية، وكاتباً في جريدة الرأي الأردنية.

صدر له في القصة القصيرة سبع مجموعات قصصية هي: "الرحى"، الدواج"، "موت عزرائيل"، "موت لا أعرف شعائره"، "شجرة فوق رأس"، "نحت آخر لتمثال المفكر/ مختارات قصصية"، "هب لي عيناً ثالثة".

وله رواية واحدة عنوانها "العتبات" صدرت عام 2013، وأصدر في البلدانيات والرحلة وأدب المكان العديد من الكتب: "عمان الذاكرة"، وثلاثة أجزاء من "موسوعة القرية الأردنية/ بوح القرى"، و"معان وقراها"، "سماء الفينيق/ رحلتي إلى فلسطين".

وصدر له في المسرح والمونودراما "مسرحية عشيات حلم"، و"ظلال القرى وآدم وحيداً/ مسرحيتان"، "أربعة نصوص مسرحية: ظلال القرى/عشيات حلم/بلا عنوان/سجون"، "من قتل حمزة؟/ كتابة مشتركة"، "مرثية الوتر الخامس/ مونودراما".

وكتب سيناريوهات الكثير من الأفلام الوثائقية، وأقام عدة معارض فوتوغرافية. كما فاز مفلح العدوان بالعديد من الجوائز العربية والعالمية.