نبيل سليمان يتتبع سؤال الهوية في سوريا

الكاتب السوري يتطرق إلى العلاقة بين الألوهة والديكتاتورية محللا لها من خلال بعض الروايات.


الرواية هي التعبير السردي الأوفى للهوية الوطنية


الثقافة كالمجتمع سيلًا لا يتوقف من المتغيرات

إذا كنا كأفراد وجماعات، وبخاصة في الفضاءين العربي والإسلامي، نتقلّب على جمر الطائفية أو المذهبية أو الجهوية أو الإثنية، أفلا نكون في يباب وخراب، أو على شفا يباب وخراب؟ وإذا كانت نيران التهجير أو الخيانة أو التخوين أو الانعزالية أو الداعشية أو الأسلمة أو العسكرة تعصف بنا، أفلا نكون في هلاك وخسران، أو على شفير هلاكٍ وخسران؟ وماذا إذن عن قصل الرؤوس وبيوت الدعارة والتجثيث والسلاح الكيماوي وتألّه الديكتاتور وأورام الثقافة؟
يقدّر الروائي السوري نبيل سليمان في كتاب "في التباب ونقضه" أننا لسنا على شفا أو على شفير يبابٍ وخرابٍ وخسرانٍ وهلاك، بل في صميم ذلك كله، في آنٍ معًا. ويقول "لأن كلمة (التباب) تجمع كل ذلك، عنونت بها الكتاب. وفي اللغة: التبّ والتتبيب والتباب هو الهلاك والخسران".
يضمّ الكتاب الصادر أخير عن مؤسسة أروقة 30 بحثا ومقالا تتعلق بكل ما تقدم، مما جاء على إيقاع الزلزال الذي زلزل سوريا أو اليمن أو ليبيا وسواها من الفضاءين العربي والإسلامي، منذ عام 2011. ويتخلل التحليلات رصدا للإبداع الروائي العربي والسوري الذي انعكست عليه الوقائع والأحداث ومن ثم طرح تساؤلات الهوية والوجود، الماضي والحاضر والمستقبل.
وهو كتاب إذن ـ وفقا لمؤلفه ـ منذور للتباب الذي نحن فيه. ومهما يكن في ذلك من نشيج وتعرية للذات الفردية والجمعية، إلا أنه ليس نواحًا ولا جلْدًا، لأن فيه أيضًا سعي إلى التفكّر فيما ينقض ما نحن فيه، أو يؤشر عليه، أو يبشر به. ولعله إذن كتاب في التباب ونقضه.
يقول سليمان "إذا كانت الهوية سؤالًا راعفًا ومفتوحًا في الفضاء العربي، منذ القرن التاسع عشر على الأقل، فقد تضاعف كل ذلك، وغدا شاغلًا فكريًا وسياسيًا، بل شعبيًا، بامتياز، وبخاصة منذ تزلزل الفضاء العربي وأخرج أثقاله سنة 2011. والأمر كذلك، بدا كأن كل ما قدمت الثقافة والكتابة والسياسة، عربيًا، في الهوية، صار موضوع تفكيك أو نقض أو تطعيم، على إيقاع الزلزال الفكري والسياسي والاجتماعي والقيمي والاقتصادي المتفاقم منذ سنة 2011. وكذلك بالتفاعل الحار والعميق مع ما بلغه أمر الهوية عالميًا. ولك أن تقول إذن: فهويتي مقدسة ونهائية، فيقول سواك: تظل الهوية قيد التكوين ما دام البناء الاجتماعي ليس ناجزًا، ومادامت نُظُم القيم تتبدل وتتجدد وتغتني وتموت. وسرعان ما تشتبك الأصوات/ الأسئلة/ الإجابات، وإذا بالهوية تاريخ وجغرافيا، والهوية رموز وتعبير عن الخصوصية، والهوية ليست سرمدية، والهوية صفات جوهرية مائزة.. ولا تستوي تلك التناقضات والتباينات إلا بالمزيد منها، فهذه هوية وطنية، وتلك هوية فوق الوطنية، بالأحرى هوية دينية، أو أممية، أو قومية، وهذه هوية تحت الوطنية، بالأحرى هوية طائفية، أو جهوية، أو عشائرية، أو مذهبية".

الثقافة الانعزالية التقسيمية أخذت تفشو في الفسيفساء الاجتماعية الثقافية، ولكن هل يكتمل أو يستقيم حديث الثقافة والمجتمع في غياب المواطنة والديمقراطية عن لوحة معجزة الفسيفساء الثقافية الاجتماعية السورية؟

ويضيف "في الخطاب ما بعد الكولونيالي يصخب القول بأن الهوية ما بعد الكولونيالية هوية متصدعة. ويترجّع هذا الصخب بقوة في المجتمعات والدول المتعددة الأعراق والأديان، حيث يجري القول بالفسيفساء. لكن الفسيفساء ـ في قول ـ تشكو من علّة التجاور مهما شكّلَت من لوحات بديعة. لذلك يميل قول آخر إلى الاندماجية التفاعلية، وليس الدمج القسري. لقد تغنيت طويلًا، مثل كثيرين، بالفسيفساء السورية، مع التشديد على برائها من علّة التجاور، وعلى ما تعلن وتستبطن من الاندماجية التفاعلية. ففي سوريا الراهنة التي قامت كدولة وجنسية سنة 1918 كما شاءت لها الإرادة الفرنسية ـ الإنكليزية، يعيش العرب والأكراد والأرمن والسريان والآشوريون والشركس، يعيش الإسلام والمسيحية، وتتعدد الطوائف والمذاهب، من السنّة إلى العلويين والدروز والإسماعيليين واليزيديين إلى مختلف الطوائف المسيحية الكثيرة. وهذه الفسيفساء تصدعت بقدر أو بآخر منذ سنة 2011، وإذا بالتجاور ينتأ في اللوحة، فيلغي الاندماج والتفاعل في قول، ويُقلقه في قولٍ أميل إليه دون القول السابق. أما الهوية فقد تجاذبتها الفسيفساء كما التصدع الهوياتي فيما بعد الكولونيالية، وكل ذلك يتطلب العودة بسؤال الهوية في سوريا إلى ظهور هذا الكيان". 
يتتبع سليمان سؤال الهوية في سوريا انطلاقا من نُذُرُ النهضة العربية التي أخذت تبرق في القرن التاسع عشر، "كان الاشتباك الهوياتي القومي الديني قد بدأ يتفجر في إهاب الإمبراطوية العثمانية الشائخة، وعبر صراعها مع الغرب الأوروبي. وعندما أهلّ القرن العشرون كانت علائم الاشتباك والتفجر قد تحددت في سياسة الهيمنة القومية التي تجلت في التتريك لغةً وجنسيةً، مما شقّق الهوية الدينية العثمانية العربية (الإسلام)، التي لم تكن أكثر من رقاع نسجها التاريخ وخاطها بمسلّته الدموية الدينية التي تقومنت حتى صارت طورانية في مستهل القرن العشرين، ووسمته بدرجات وأشكال شتّى حتى بلغت ما هي عليه الأردوغانية العثمانية الإسلامية اليوم".
ويوضح سليمان أنه "في مدونة الهوية /الهويات يبرز الصراع بين الهوية الإسلامية العربية والهوية الإسلامية غير العربية، كما تبدى في الهوية الإسلامية الفارسية، وفي الهوية الإسلامية التركية. أليس هذا الصراع الذي ينبثق بحدة في سوريا في سنوات الزلزلة المتفاقمة منذ 2011، وذلك عبر الرطانة بالتشييع الإيراني والطموح التوسعي الفارسي، وعبر الرطانة بالتتريك والإعلان الأردوغاني عن إنهاء العمل بمعاهدة لوزان سنة 1923 في مئويتها، وهي المعاهدة التي رسمت الحدود السورية التركية الراهنة، واقتطعت بموجبها آلاف الكيلومترات المربعة من الأرض السورية في الجنوب التركي، بما يعني الاقتطاع من تمزّق هوية السكان بين سوريةٍ وعربيةٍ تولّت، وتركية استجدت. أما في زمن النهضة في القرن التاسع عشر فقد غاب العنصر الفارسي ليبرز العنصر التركي وما عرف بالمسألة الشرقية بالتعالق مع الصراع بين الإمبراطورية العثمانية التي ستشتهر بالرجل المريض، والغرب الأوروبي. وهنا يدخل في أتون الصراع عنصر جديد هو العنصر الأوروبي، وبخاصة بعد الانفجار اللبناني السوري فيما عُرِف بفتنة عام 1860، الذي اتخذ طابعًا طائفيًا، فأذكى نيران الهويات. ولئن كانت الهيمنة الفرنسية والانكليزية قد بدأت آنئذٍ بالسفور والتمكن، فقد أشبهت السلاح ذا الحدين، وأحد الحدين كان التغلغل التحديثي في التعليم وفي الفكر. ولأن الغرب خصّ المسيحيين بالحماية فقد ساعد ذلك على تكوين مثقفين عرب مسيحيين يدعون إلى الفكرة القومية العربية، دون أن يكون الأمر وقفًا عليهم وحدهم، بالطبع. ألم ينعقد المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913؟".

نقد أدبي
الناقد السوري نبيل سليمان

ويضيف "إزاء جمعية تركيا الفتاة التي قادت فرض الهوية التركية على العرب، قامت جمعية العربية الفتاة، في محاولة للإصلاح والمساواة في ظل العثمانية، أي في محاولة هوياتية عربية في ظل الهوية التركية. ومعها قامت محاولات التحرر من الهوية التركية بكل رقشها العثماني والإسلامي، سعيًا إلى الهوية العربية، وإعلانًا عن القومية العربية. ولسوف يظل التجاذب والتنازع قائمًا سنوات بعد الحرب العالمية الأولى، بين الهوية الإسلامية العثمانية والهوية القومية العربية في سوريا الصغرى "الراهنة" والكبرى "بلاد الشام: سوريا والأردن ولبنان وفلسطين"، مما كانت له تعبيراته السياسية والفكرية والأدبية، وحيث سيترجّع إلى حين الحنينُ إلى الزمن العثماني الذي سمّاه قوميون بزمن الاستعمار التركي".
ويتابع سليمان متوقفا عند سرديات الهوية الوطنية مؤكد أن الرواية تكاد تكون هي التعبير السردي الأوفى للهوية الوطنية. و"كالعهدِ بالروايةِ أسرعتْ إلى الاستجابةِ لمتغيراتِ الواقع، بالأحرى لزلزلتِه، فظهر ما ينوف على خمسين رواية خلال سبع سنوات، يتعلق أغلبُها، وبمستوياتٍ مختلفةٍ بالزلزال. ومن ذلك ما كانت الطائفيةُ شاغلًا مركزيًا له، أو شاغلًا ثانويًا، وكان النصيبُ الراجح للعلويين واليهود".
ويرصد أخيولات روائية للعلويين، وأخرى لليهود وأخرى إثنية خالصا إلى تأكيد تواصل التجاذب في سوريا بين الهوية الوطنية وبين ما بعد الهوية، بين الدولة وما بعد الدولة، بين التباب والبدد، وبين النهوض كدولة ديمقراطية تتعدد فيها الانتماءات الهوياتية وإمكانايات الاختيار، مما سيخفف طغيان الهوية الواحدة. فالرهان هو على أن يتواصل وينضج هذا الذي يجري من إعادة بناء الهوية الوطنية على أساس عقد اجتماعي جديد.
ويتطرق سليمان في دراسة أخرى إلى علاقة بين الألوهة والديكتاتورية محللا لها من خلال روايات مثل "حفلة التيس" لماريو باراغاس يوسا، رواية إبراهيم الجبين "عين الشرق" التي يجزم بأن العلويين يؤلهون الرئيس. وأول ذلك ما تحدث به تلك التي يصافح المؤلَّه المتألّه يدها برهبة وتقديس، عن حيرتها بين تصديقه وتكذيبه عندما يصف نفسه بالبساطة والزهد "فلا يمكن للإله أن يكذب". وتتساءل المرأة: "فكيف يمكن للإله أن يكون إن لم يكن على هذه الصورة؟ إله البساطة؟ إله الأرض؟ إله العلويين"، ورواية وحيد الطويلة "حذاء فيلليني".
ويتوقف سليمان مع الثقافة مستعرضا مشهدها خالصا إلى أن بالإضافة إلى ثقافة الخوف وثقافة الموت، ثمة في الفسيفساء الثقافية السورية اليوم ما يمكن وصفه بالثقافة الأمنية، وبثقافة التشبيح، وبالثقافة الإعلامية أو التلفزيونية الديماغوجية، والسطحية، والغوغائية، والتحريضية. وأغلب وأخطر هذا الذي تضيق به الفسيفساء الثقافية السورية يمكن عنونته بما سماه هايني بالثقافة الأخلاقية، والتي يعدد منها: الحرية والعدالة والجمال والحب.. أي القيم الأخلاقية التي انهار منها الكثير خلال سنوات الزلزلة، ويتهددها انهيار أكبر وأكبر في الأفق المنظور. 
وبما أن الصراع في سوريا وعليها ينادي سايكس وبيكو من مئة سنة خلت إلى سايكس وبيكو جديدة، أي إلى التقسيم أو الفيدرالية، فقد أخذت الثقافة الانعزالية التقسيمية تفشو في الفسيفساء الاجتماعية الثقافية، ولكن هل يكتمل أو يستقيم حديث الثقافة والمجتمع في غياب المواطنة والديمقراطية عن لوحة معجزة الفسيفساء الثقافية الاجتماعية السورية؟ وإذا كانت الثقافة كالمجتمع سيلًا لا يتوقف من المتغيرات، فهل من حق المرء بعد كل ما تقدم أن ينادي بمتغيرات أخرى وبتغيير آخر، لتعود الفسيفساء الثقافية الاجتماعية السورية فن الإنسانية البديع وإنجازها الحضاري الخالد الأكبر؟".