نتائج واعدة لأول سلاح طبي ضد الملاريا منذ ربع قرن
جينيف - أفادت نتائج تجارب سريرية موسعة نُشرت في وقت متأخر من عام 2025، أن عقاراً تجريبياً جديداً طورته شركة "نوفارتيس" (Novartis) السويسرية بالتعاون مع منظمة "أدوية الملاريا" (MMV)، قد حقق معدلات شفاء "غير مسبوقة"، مما يمهد الطريق لأكبر تحول في استراتيجيات مكافحة الملاريا العالمية منذ عقود، في وقت تواجه فيه القارة الأفريقية تهديداً متزايداً من السلالات المقاومة للأدوية التقليدية.
وأظهرت بيانات دراسة "KALUMA" للمرحلة الثالثة، أن العقار الجديد الذي يحمل الاسم التجاري "غان-لوم" (GanLum)، سجل معدل نجاح مذهل بلغت نسبته 99.2% في علاج حالات الملاريا غير المعقدة، متفوقاً بشكل حاسم على العلاجات الحالية القائمة على مادة "الأرتيميسينين"، والتي كانت تعتبر المعيار الذهبي للعلاج طوال الربع قرن الماضي.
اختراق علمي لمواجهة "المقاومة"
يأتي هذا الإعلان في لحظة حرجة للمجتمع الدولي؛ حيث حذرت منظمة الصحة العالمية مراراً من ظهور طفيليات ملاريا في شرق وغرب أفريقيا قادرة على مقاومة الأدوية الحالية. وبحسب تقارير طبية رصدتها رويترز، فإن "غان-لوم" يعتمد على مزيج من مادتين: "جانابلاسيد" (Ganaplacide)، وهي مادة تنتمي لفئة كيميائية جديدة كلياً تسمى "إيميدازولوبيبرازين"، ومادة "لوميفانترين" بتركيبة مطورة.
طفاية حريق حيوية للأمن الصحي العالمي
وقال الدكتور عبدالله جيمدي، الباحث الرئيسي في الدراسة وأستاذ علم الطفيليات بجامعة باماكو: "نحن لا نتحدث فقط عن دواء جديد، بل عن فئة علاجية جديدة تماماً هي الأولى من نوعها منذ أكثر من 25 عاماً. إن قدرة هذا العقار على تدمير الطفيليات التي فشلت الأدوية الأخرى في القضاء عليها تجعل منه 'طفاية حريق' حيوية للأمن الصحي العالمي".
نتائج التجارب وسهولة الاستخدام
شملت التجارب السريرية 1688 مريضاً، من بينهم أطفال رضع لا تتجاوز أوزانهم 5 كيلوغرامات، في 34 مركزاً طبياً بـ 12 دولة أفريقية، منها بوركينا فاسو ومالي ونيجيريا. وإلى جانب معدل الشفاء المرتفع، أظهر العقار ميزة تنافسية كبرى تتمثل في بساطة الجرعة؛ حيث يُعطى على شكل حبيبات فوارة مرة واحدة يومياً لمدة ثلاثة أيام فقط، مقارنة بالنظام العلاجي الحالي الذي يتطلب ست جرعات موزعة على عدة أيام، وهو ما كان يؤدي غالباً لفشل العلاج بسبب عدم التزام المرضى بالجدول الزمني.
وأشارت البيانات الفنية إلى أن "غان-لوم" يمتلك خاصية "قطع دابر العدوى"؛ إذ لا يكتفي بقتل الطفيليات في دم المصاب فحسب، بل يمنع انتقالها مرة أخرى إلى البعوض، مما يساهم في تقليص معدلات انتشار المرض في المجتمعات المحلية.
الشراكة والتمويل والخطوات المقبلة
يعكس تطوير هذا العقار نموذجاً ناجحاً للشراكة بين القطاعين العام والخاص؛ حيث حصل المشروع على تمويل سخي من الاتحاد الأوروبي، وحكومتي بريطانيا وألمانيا، تحت إشراف منظمة "أدوية الملاريا".
وفي تصريح لرويترز، قالت متحدثة باسم شركة نوفارتيس: "إن الشركة بدأت بالفعل في إعداد ملفات الاعتماد التنظيمي لتقديمها إلى هيئات الرقابة الدوائية العالمية، بما في ذلك إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، مع التركيز على الحصول على موافقة مسرعة لتسهيل وصول الدواء إلى المناطق الموبوءة في أفريقيا وجنوب شرق آسيا بحلول عام 2026".
أبعاد اقتصادية وإنسانية
تتسبب الملاريا في وفاة أكثر من 600 ألف شخص سنوياً، غالبيتهم العظمى من الأطفال دون سن الخامسة في أفريقيا. ويرى خبراء اقتصاد الصحة أن نجاح "غان-لوم" قد يوفر مليارات الدولارات من تكاليف الرعاية الصحية المباشرة والإنتاجية المفقودة في الدول النامية.
ومع اقترح منظمة الصحة العالمية استراتيجيات جديدة لدمج اللقاحات مع الأدوية المتطورة، يبرز "غان-لوم" كأقوى أداة علاجية حتى الآن لتحقيق هدف "صفر ملاريا" الذي تسعى إليه المنظمة بحلول عام 2030. ومع ذلك، تبقى التحديات اللوجستية المتعلقة بتوزيع العقار في المناطق النائية وضمان تسعيره بشكل عادل هي العقبة الأخيرة أمام تحويل هذا النجاح العلمي إلى انتصار بشري شامل.