نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
التجربة العراقية هنا نموذج للتأمل لا حالة استثنائية، إذ تشترك كثير من دول الشرق الأوسط والجنوب العالمي في وقائعها: حركات احتجاجية واسعة أثبتت أن الجماهير مستعدة للنضال وأن الخوف ليس قدراً، غير أنها اصطدمت بالسؤال ذاته الذي لم تُجَب عنه بعد: كيف تتحول طاقة الشارع إلى قوة سياسية منظمة ومستدامة؟ ويسار أثبت حضوراً ميدانياً لافتاً وتاريخاً نضالياً عميقاً، وفي الوقت ذاته يعاني من تشتت بنيوي وضعف في التنسيق، جعله حاضراً في الساحات وغائباً أو شبه غائب عن صناديق الاقتراع.
من لبنان إلى السودان، ومن تونس إلى العراق، ومن الجزائر إلى إيران، تتكرر الصورة بتفاصيل مختلفة وجوهر واحد: غضب جماهيري حقيقي وعميق، وفجوة واسعة بين هذا الغضب وبين القدرة على تحويله إلى مشروع سياسي بديل. هذه الفجوة ليست قدراً، وإنما تحدٍّ تنظيمي وفكري يستحق المعالجة الجدية.
أولاً: اليسار في قلب الاحتجاجات وخارج قيادتها
شكّلت الاحتجاجات والمظاهرات الجماهيرية في العراق واقليم كردستان لحظات تاريخية مهمة ومن أبرزها انتفاضة تشرين 2019. خرجت الجماهير من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الفاعل المباشر، وكان اليسار في قلب هذا الحدث: في الساحات منذ الأيام الأولى، في التنظيم، في الدفاع عن سلمية الحراك، في اللجان الإعلامية، غير أن هذا الحضور الكثيف بقي حضور أفراد وكوادر، لا حضور قوة سياسية موحدة ذات استراتيجية معلنة.
هذا التناقض لم يكن صدفة. كثير من قوى اليسار فضّلت الاندماج في الفعل الاحتجاجي دون إظهار هوية سياسية واضحة، خشية اتهامات الهيمنة أو الوصاية على الشارع. هذا الخيار، رغم نواياه الحسنة، أفضى عملياً إلى فراغ سياسي وتنظيمي سرعان ما ملأته قوى أخرى، أو تحوّل إلى تشتت ولا قرار.
يضاف إلى ذلك سيادة نظرة "اللا تحزب" في ساحات الاحتجاج، التي خلقت حاجزاً نفسياً أمام أي محاولة لبناء أطر تنظيمية. اليسار لم يتمكن من تقديم نموذج بديل يُقنع المحتجين بأن التنظيم ليس هيمنة حزبية، وإنما أداة ضرورية لحماية الحراك واستدامته. النتيجة أن الحركات الاحتجاجية، رغم عظمتها، بقيت بلا امتداد تنظيمي موحد، وهذا ما سهّل على السلطات تفكيكها بالقمع والاغتيالات والإرهاق النفسي.
التجارب التاريخية تؤكد أن الاحتجاج شرط ضروري للتغيير، لكنه غير كافٍ وحده. في الربيع العربي، سقطت أنظمة لكن غياب البديل المنظم حوّل لحظة الشارع إلى فراغ سياسي. في أميركا اللاتينية، نجحت الحركات حين جمعت بين الشارع والتنظيم وصناديق الاقتراع. الاحتجاج يخلق الفرصة، والتنظيم السياسي هو من يحوّلها إلى تغيير فعلي.
ثانياً: إشكاليات انتخابية وجماهيرية بنيوية
لم يكن غياب اليسار عن برلمان 2025 مجرد إخفاق انتخابي عابر، وإنما كاشفاً عن أزمة بنيوية متعددة الأوجه. الفارق الهائل في الموارد جعل المنافسة غير متكافئة، إذ واجهت الإمكانيات اليسارية المتواضعة ماكينات انتخابية ضخمة مدعومة بالمال السياسي والنفوذ الإداري. الخطاب الانتخابي بقي نظرياً نخبوياً الى حد كبير، ينطلق من النظريات نحو الواقع عوضاً عن الانطلاق من معاناة الناس اليومية. لم تُترجَم الشعارات الكبرى إلى إجابات مباشرة حول العمل والكهرباء والصحة والسكن.
التشتت زاد الأزمة عمقاً؛ توزّع اليسار والقوى التقدمية على قوائم متعددة ببرامج متشابهة، ما لم ينتج تنوعاً خلاقاً، وإنما أربك جماهير تبحث عن بديل واحد واضح يمكن الوثوق به. وحتى داخل الأحزاب اليسارية المشاركة، قاطعت نسبة من أعضائها الانتخابات، ما كشف عمق فجوة الثقة بين القواعد والقيادات.
ثمة إشكاليتان بنيويتان تستحقان الحوار والمعالجة الجادة: الأولى تتعلق بمحدودية تمثيل النساء في مراكز القرار، رغم دورهن المحوري في الحراك الاحتجاجي وحضورهن الفاعل في القواعد التنظيمية. والثانية تتعلق بضعف تمثيل الشباب الذين قادوا الانتفاضات وصنعوا خطابها، في حين بقي حضورهم في مواقع القرار محدوداً.
معالجة هذا التناقض بين الدور الفعلي والتمثيل الرسمي تشكل ضرورة سياسية وأخلاقية لأي مشروع يساري يسعى إلى المصداقية والتجديد. أما التطوير الرقمي فيمثل فرصة حقيقية لم تُستثمر بعد بالشكل الكافي، في عصر باتت فيه معارك الوعي تُدار عبر المنصات الرقمية بأدوات متطورة.
من أعمق الإشكاليات البنيوية التي أضعفت اليسار، سيادة نموذج "منظمات الواجهة" الحزبية على حساب النقابات والاتحادات المستقلة الحقيقية. أنشأت معظم التنظيمات اليسارية نقاباتها ومنظماتها الخاصة. النتيجة: مشهد مفكك من عشرات المنظمات الصغيرة المتنافسة، كل منها مرتبطة بقوة الحزب الذي يقف خلفها، فاقدةً قدرتها على تمثيل قطاعاتها بتنوعها الحقيقي.
نقابة مستقلة واحدة قوية تضم عشرات الآلاف أجدى ألف مرة من عشر نقابات صغيرة تابعة لأحزاب مختلفة. الجماهير، خاصة الشباب في ساحات الاحتجاج، لم تعد تثق بمنظمات الواجهة، وتتجه نحو أشكال التنظيم الأفقية المستقلة. هذا الواقع يفرض إعادة نظر جذرية: الاستمرار في التشتت أو الانتقال نحو دعم نقابات واتحادات مستقلة حقيقية، تستند إلى المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والعمال والمرأة، وتحوّل المطالب من شعارات أيديولوجية إلى حقوق معترف بها دولياً وقابلة للدفاع عنها.
ثالثاً: خارطة طريق للتوحد والتجديد
التجارب العالمية تقدم دروساً واضحة. في كولومبيا، بنى اليسار تحالفاً واسعاً ضم قوى نسوية وبيئية ونقابات عمالية حول برنامج حد أدنى واضح، فأوصله إلى الرئاسة للمرة الأولى. في البرازيل، أدرك حزب العمال أن العودة إلى السلطة تمر عبر جبهة تقدمية واسعة تستند إلى الحركات الاجتماعية وقطاعات الطبقة الوسطى. في الدنمارك، اندمجت ثلاثة أحزاب يسارية صغيرة في إطار واحد، فانتقلت من الهامش إلى موقع مؤثر دون التخلي عن جذريتها. وفي المغرب اليوم، يُقدم "تحالف اليسار" بين مجموعة من القوى اليسارية نموذجاً حياً في تجاوز التشتت، فيما عقدت قوى وشخصيات يسارية عراقية قبل أيام اجتماعاً موسعاً في خطوة تعبّر عن إدراك متنامٍ بأن لحظة التوحد باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل.
ما تحتاجه المرحلة إطار يساري واسع يقوم على: برنامج حد أدنى مشترك يخاطب الجماهير بلغتها اليومية حول العمل والصحة والتعليم والسكن والحريات؛ وبنية تنظيمية مرنة ولامركزية تحترم استقلالية كل مكوّن وتُدير الاختلاف بآليات ديمقراطية واضحة؛ وتمكين فعلي ملزم للشباب والنساء في مواقع القرار لا في أدوار رمزية؛ وسياسة رقمية احترافية تجعل من الفضاء الرقمي ساحة صراع حقيقية؛ وربط فاعل بين العمل الاحتجاجي والمشاركة الانتخابية والنضال النقابي اليومي.
التوحد وحده لا يكفي ما لم يقترن بتجديد وتحديث فكري وتنظيمي عميق يستوعب التحولات الاجتماعية والتكنولوجية والثورة الرقمية، ويستجيب لوعي الأجيال الجديدة. قوى اليسار العراقي والكردستاني، التي قدمت تضحيات جسيمة وظلت على الدوام في موقع الدفاع عن شغيلات وشغيلة اليد والفكر، تمتلك من الرصيد النضالي والإنساني ما يجعل هذا التجديد ممكناً. الوفاء لهذا التاريخ لا يكون بالحنين إليه، وإنما بالبناء عليه وتطويره. فالسؤال اليوم لم يعد هل نملك الفكرة الصحيحة، وإنما كيف نحوّلها إلى قوة منظمة قادرة على تغيير حياة الجماهير. التاريخ يكافئ من استطاع تحويل الأفكار العادلة إلى فعل سياسي فاعل على أرض الواقع.