نقاد أردنيون 'توابيت وقبر واحد' رواية الهم العام الجمعي
عمان - احتفى فرع رابطة الكتاب الأردنيين وبالتعاون مع اتحاد القيصر للثقافة والفنون في "بيت عرار الثقافي – إربد" بإشهار الرواية الأولى للشاعر عمر أبوالهيجاء، بمشاركة النقاد: الدكتور زهير عبيدات والدكتورة ليندا عبيد والشاعرة الدكتور سماح الخصاونة، وأدار الحفل باقتدار الأديب رائد العمري رئيس اتحاد القيصر، بحضور رئيس الفرع للرابطة الشاعر أحمد طناش وحشد كبير من المثقفين والمهتمين.
القراءة النقدية الأولى كانت للناقد الدكتور زهير عبيدات، أن رواية "توابيت وقبر واحد" للشاعر عمر أبوالهيجاء تثير قضايا في الإبداع والنقد والتفكير، وهي دعوة للتمرّد والثورة على واقع الحزن والانكسار والموت الذي يمرّ به الإنسان العربي بما يتصل بقضية فلسطين. لذا جاء النصّ نصّاً متمرّداً، حتى على الفنّ ليستحقّ أن يكون نصّاً فوق السائد والمألوف في كثيرٍ من الأعمال الروائيّة.
وأشار إلى أن أحداث الرواية بدأت بتسليط الضوء على معاناة الفلسطينيّ ومواجهته قوى الهيمنة على الأرض والإنسان، وكانت "اليقظة" محطّة تحوّل في مسيرة الروح انتهت بإيقاد الثورة حين تحوّل الدم قناديل يهتدي بها المجاهدون عبر رحلةٍ من "المخاض" والتحوّل، كما كانت درساً ورسالةً للمتعاونين مع الأعداء أنْ لا يخونوا أوطانَهم، وبهذا ارتقت لتكون رسالةً ذات بعدٍ إنسانيّ تتجاوز الدائرةَ الفلسطينيّة والعربيّة.
وأكد أن للروائي والشاعر أبوالهيجاء قدرةٌ على الجمع بين المتعارضات، بين الوعي واللاوعي، الحلم والواقع، الجنون والحكمة، الشاهد والغائب، وله قدرةٌ على البوح على لسان الشخصيّات الأخرى لضروراتٍ فنيّة، فكان أن أحسنَ استبطانَ شخصيّة فرحان\المجنون وباحَ بما في أعماقه، وتحدّثَ بلسانِ المتكلّم عن الشخصيّات الأخرى.
وبيّن د. عبيدات بأن الروايةُ وظفت الشعرَ والأغاني والتراويد والميجنا في التعبير عن الروح الشعبيّة، وحوّلتها إلى أشكالٍ من الخطاب للتعبير عن الحالة مدار الحديث، وشاعَ في هذه الأشكال الحديثُ عن الفراق والموت والتهجير بروحٍ حزينة تقتاتها الشخصيّات، وفي كثيرٍ من الأحيان ارتبط الفراقُ بالموت، وظهرا في صورة "الواحد"، لاسيّما عند الحديث عن بيع الأرض والاتّجار بها، في الوقت الذي دفعَ بعضُ أبنائها دمَهم مهراً لها دفاعاً عنها، ممّا فجّر الأسئلةَ الإنكاريّةَ، من مثل: كيف يستوي الأمر؟!
ولفت إلى أن في الرواية شخصياتٌ صهيونيّة مثل "الخواجا مناحيم"، وألقت مفردةُ "الخواجا" بمحمولاتها الدلاليّة في سياق الصراع بين المستعمِر والمستعمَر المولَع بتقليد ما يأتي به الغالب، إذ أفرزت "عقدة الخواجا" أو "عقدة النقص" التي يحسّ بها ابنُ الأرض تجاه المستعمِر. ومن الشخصيّات "أهود"، وشخصيّات متعاونة مع الصهاينة مثل خليل والمختار، ومن شخصيّات المقاومة أبوالجدايل الذي قَتلَ والدَ الخواجا، وأبوعتابا والشاهد وهزّاع وفرحان\المجنون الذي كان يقدّم الخدمات للمجاهدين متظاهراً بالجنون. ومن الشخصيّات النسويّة نذكر فاطمة زوجة المختار وروميّة وعتابا، ونذكر أنّ الشخصيّات النسويّة مخلصةٌ ووطنيّة، واختلفَ موقفُ فاطمة مع موقفِ زوجِها المختار.
وفي الرواية انسجامٌ بالنهايات، العامّ والخاصّ، فقد قُتل الضبعُ والخائنُ وعددٌ من جنود العدو، مقابل هجوم مجموعة أبي الجدايل على جنود العدو، ورُفضت فكرةُ بيع الأرض والزواج من الخونة، واستُشهد عددٌ من المناضلين منهم هزّاع وأبوعتابا، وعاد فرحان\المجنون، وتمّ العثورُ على جثّة فالح بعد أن قَتَله الضبعُ، ورُزق أبوعتابا بولد. وكان أن قَتلَ الخواجا المختارَ أمامَ سكان القرية بحجّة أنه غير مخلص مثل خليل الذي حلّ مكانه في الضغط على السكان لإجبارهم على بيع أراضيهم. وقَتل فرحانُ\المجنونُ الضبعَ الذي كان يؤذي سكان القرية بعد أن افترس ابنَ المختار فالح الذي رفض الزواج من ابنة خليل المتعاون مع الصهاينة.
الناقدة الدكتورة ليندا عبيد في دراستها أكدت أن الشاعر عمر أبوالهيجاء ينحاز في روايته إلى قضية فلسطين، والحديث عن مرحلة أرهصت لما نحياه اليوم من فجائعية، وذبح وقتل ممنهج، وتهجير ونزوح، إذ ضاعت الأرض بعد نكبة عام 1948 وما سبقها من بيع وشراء لأراضي فلسطين ضمن خطة صهيونية ماكرة للاستحوذ على الأرض بشتى الطرق والسبل واستغلال بساطة العوام وظروفهم الاقتصادية، وتوظيف الانتهازيين والمستغلين لإنجاز هذا المخطط... وتتحرك الرواية في فضاء مكاني رمزي يسمى "غزالة" وتمثل غزالة الوطن، وصورة لفضاء الألفة الذي يندغم أهله بعلائق اجتماعية قوية، وتفاصيل حياتية رتيبة اعتيادية قبل أن تتصاعد الأحداث، ويتحرك السرد في خطين متزامنين ضمن حكايتين مختلفتين تقود إحداهما إلى الأخرى بمضمراتها وصورتها الرمزية.
وبيّنت عبيد أن رواية "توابيت وقبر واحد" هي رواية الهم العام الجمعي، تتحدث عن الهوية والبحث عن الذات في عالم النزوح والنفي والتشرذم والاستلاب والتشظي، وتغول الأطماع الصهيونية والرأسمالية العالمية، وتقوم على ثنائيتي الاحتلال والمقاومة، وعلى ثنائيتي الداخل والخارج، في بناء سردي يبدو من خلاله صراع الشخصيات داخل القرية، وما يطل من انهزاماتها الداخلية عبر المونولوجات القصيرة صورة أو انعكاسا لما يحدث في الخارج.
وذكرت د. عبيد: تتشكل الحبكة بشكل مدروس ومركب، يمزج بين البنية التقليدية للحكي، والطابع الرمزي/الشعري، ما يجعلها متداخلة ومتعددة الأصوات والدلالات. والحبكة هنا ليست خطية أو بسيطة بل تقوم على التشظي الزمني بالاتكاء على تقنية الاسترجاع التي تجعل من الحاضر صور للماضي بل ونبوءة لما قد يحدث في المستقبل، وكذلك من التداخل بين الرمزي والواقعي، والارتكاز على حدث مركزي هام خيانة المختار ومأساة القرية وفجائعية المصير.
وخلصت إلى القول وحسب رأيها: ولعل "توابيت وقبر واحد" على جمال رمزيتها وقضيتها التي تنتصر للهوية والقضية ولمنحى الالتزام في الفن تقع في مأزق الشعرية العالية رغم حضور خافت لرصد تفاصيل الحياة اليومية، وترك الحدث يتناسل ويتصاعد. فمن الممكن أن تكون الرواية شاعرية دون أن تتسم بالشعرية العالية.
من جهتها، قدمت الشاعر د. سماح الخصاونة إضاءة حول الرواية أكدت فيها أن رواية الشاعر أبوالهيجاء "توابيت وقبر واحد" أنّة وغصة تحكي عن معاناة الإنسان الفلسطيني، ونزيف وطن، حيث بدا الكاتب متمكنا من تصوير مشاهد حية ببراعة وانسيابية، موظفا الأغاني والأهازيج الشعبية مما أضفى على روح الرواية ميزةً جمالية.. حيث بدت لغة الكاتب سلسة مفهومة، وظهرت من خلالها روحه الشاعرة، ونجح في تشويق القارئ من خلال حثه على متابعة القراءة مستخدما اللغة المحكية في روايته سواء حوار الشخصية مع نفسها أو مع الآخرين.
إن أسلوب الحوارية الموجودة في اللغة جعلت منها سهلة قريبة، فالكاتب يتناول مجموعة كبيرة من الشخصيات الرجال والنساء والعميل والمحتل والمقاوم والبهلول؛ وكل شخصية تعد مرآة تعكس حال الواقع، والتفاعل بين الشخصيات يكشف عن حقائق أعمق، فشخصية فرحان أو كما وصف بالرواية بالمجنون كان يمد المقاومين بالغذاء والعتاد من الأسلحة، كما أنه قام ومارس دورا مهما بقتل الضبع، وهذا يرجعنا إلى بدايات الاحتلال.
واختتم حفل الإشهار بتكريم المشاركين بالشهادات والدروع من قبل اتحاد القيصر، ومن ثم وقع المحتفى به وبروايته الشاعر أبوالهيجاء وسط حفاوة كبيرة من الحضور.

