هل بمقدور الصحافيين أن يكونوا طهاة أو مطربين!


الصحافي عندما يصنع قصته المتميزة لا يخضع أفكاره لمساومة البيع الشراء، تماما مثل رجل الإطفاء وهو يقتحم المنزل الملتهب لإنقاذ سكانه، لا يفكر بالتصفيق الذي ينتظره.


صحف كبرى تتهم منصة سابستاك المهتمة بتوزيع المقالات مباشرة على المشتركين من القراء، بجعل كتاب الأعمدة والصحافيين أشبه بسواق سيارات أوبر

عندما تتعلق الإجابة عن سؤال: هل القراء مستهلكون أم معجبون؟  فإن الصحافي أو الكاتب بشكل عام لا يمكن أن يمارس دور الطاهي أو المغني في تسويق نتاجه الفكري في العصر الرقمي.

المطربون لا يعوّلون كثيرا اليوم على التلفزيونات ولا على الألبومات لترويج نتاجهم الموسيقي، هناك منصات رقمية تجلب لهم ملايين المستمعين في وقت قياسي، مثلما تجلب للطهاة متابعين في قنواتهم على يوتيوب.

يكفي متابعة قناة أي من هؤلاء الطهاة أو المطربين لنجد أن الملايين قد استقبلوا نتاجاتهم بحماس أو نقد وتفاعلوا معها، والأكثر من ذلك يقومون بدور الموزع بإشراك الآخرين وتعريفهم بها. ذلك تطور تقني مفيد للغاية عندما يدرّ عليهم نسبة من الأموال تخصصها إدارة يوتيوب للفيديوهات الأكثر مشاهدة مقابل كل مليون مستخدم. بعض المطربين حظوا بعشرات الملايين من المستخدمين، وهذا الرقم في المحصلة يدر عليهم مالا مثيرا.

لكن هل بإمكان الكتاب والصحافيين تسويق نتائجهم بنفس الطريقة، بينما هم مطالبون بخلق تعريف مشترك للواقع في مشهد إعلامي يتألف في الغالب من كتاب وقراء مخلصين. وفي أبعد اعتبار يمكن عدهم بالمتابعين على مواقع التواصل، ومهما زائد عددهم لا يمكن أن يكون جميعهم ضمن القراء الأوفياء المخلصين.

لنعيد السؤال بطريقة مبسطة أكثر، هل بإمكان الصحافي أن يجعل من مهنته بمثابة نتفليكس مصغر، ويرسل مقالاته بطريقة رسائل إخبارية على البريد الإلكتروني لمشتركين مقابل رسوم شهرية؟

لو تحقق مثل هذا الأمر بطريقة مثالية، لانتهى إحساس الصحافي بأنه يعيش مستقبلا غامضا في صناعة غير آمنة تعاني من أزمة وجودية وتهدد بإنهاء أعمال كبرى المؤسسات الإعلامية.

وبطبيعة الحال يمكن تنظيم ذلك مع شركات تكنولوجية آمنة لتتبنى توزيع المقالات على المشتركين مقابل استقطاع نسبة من الاشتراك. لكن السؤال الأهم، من هم المشتركون؟

الصحافي ليس مطربا ولا طاهيا ولا ممثلا كوميديا كي يستقطب هذا العدد الكبير من المعجبين، ثم كم عدد القراء الذين لديهم الاستعداد للاشتراك المدفوع في محتوى صحافي وإن كان متميزا؟ إذا وجد مثلا هؤلاء القراء المخلصون فهم نخبة وفق التقويم المفرط بالتفاؤل.

اليوم يتصاعد الحديث عن امتياز صحافي جديد تديره شركة سابستاك يربط الكتاب مباشرة بالقراء من دون الحاجة إلى واسطة إعلامية.

وهناك عدد من الكتاب والصحافيين البارزين تركوا العمل في مؤسسات كبرى مثل صحيفة نيويورك تايمز ومجلة نيويورك للعمل بمفردهم. يقابلهم عدد أكبر من الروائيين والكتاب يقومون بتسويق نتاجهم إلى القراء مقابل اشتراك مدفوع.

مهما يكن من أمر بشأن نجاح هذا الامتياز واستمرار تطوره، إلا أن السؤال عما إذا كانت الشركات الوسيطة بين الصحافيين والقراء تعمل حاليا على صياغة رؤية جديدة لمستقبل الصناعة الصحافية قبل أن يدق المسمار الأخير في نعش وسائل الإعلام التقليدية.

تستقطب منصة سابستاك المتخصصة كبار الكتاب لترك وظائفهم وتولي كتابة الرسائل الإخبارية، في أمر مثير للجدل يحتمل مخاطر كثيرة بشأن النجاح في بناء قاعدة من المشتركين، وسط المحتوى المجاني الضخم المتاح على الإنترنت.

ووصل الأمر بصحيفة نيويورك تايمز إلى اتهام تلك الشركات بجعل كتاب الأعمدة والصحافيين خلسة أشبه بسواق سيارات أوبر!

تضم سابستاك حاليا أكثر من 500 ألف مشترك بنسختها المدفوعة، مع تعرفة شهرية تتراوح بين خمسة وعشرة دولارات لغالبية الرسائل الإخبارية الأكثر استقطابا للقراء.

ويقول مؤسسو سابستاك وهم صحافي واثنان من المطورين التكنولوجيين، إنهم يريدون توفير بديل للخطاب السام الذي تقدمه منصات وسائل التواصل الاجتماعي، مستغلين عدم استقرار شركات الوسائط الرقمية.

أصرت هذه المنصة منذ إطلاقها على أنها ليست شركة إعلامية، ولكنها شركة برمجيات تبني أدوات لمساعدة الكتاب على نشر رسائل إخبارية لتفعيل مشهد إعلامي “يقظ” بشكل متزايد، الأمر الذي يميز الشركة عن منصات التواصل الاجتماعي التي تنظم المحتوى بطريقة حسابية لزيادة المشاركة.

لكن الواقع يشير إلى شيء مختلف، فمنصة سابستاك تستخدم نفس خوارزمية تويتر في اصطياد الكتاب الذي لفتوا انتباه المستخدمين إلى منشوراتهم، كما أنها تختار الكتاب الذين برزوا من خلال مواقع التواصل لضمهم إلى مشروعها الجديد.

على مستوى آخر تتصاعد حزمة من التساؤلات مع الاهتمام المتزايد بهذه المنصة التي تعمل على ربط الصحافيين مباشرة بالقراء: ما هو الخط الفاصل بين الصحافي والناشط على مواقع التواصل؟ هل القراء مستهلكون أم معجبون؟ ماذا عنا كصحافيين وعن جوهر فكرة الصحافة وعلاقتها بالمجتمع بوصفها خدمة عامة، في وقت يراد فيه تحويلها إلى خدمة نخبوية لمن بمقدوره الدفع والاشتراك؟

من حق المطربين البحث عن معجبين وجمهور كبير، بينما الصحافي يستقطب الجمهور بالمحتوى المتميز وفق مبدأ الصحافة الذي يعمل من أجل كسب ثقة الجمهور عندما لا يفرط بالحقيقة.

الصحافي عندما يصنع قصته المتميزة لا يخضع أفكاره لمساومة البيع الشراء، تماما مثل رجل الإطفاء وهو يقتحم المنزل الملتهب لإنقاذ سكانه، لا يفكر بالتصفيق الذي ينتظره. وفي النهاية الصحافي مثل رجل الإطفاء والممرض يحصلون على أجورهم أسوة بأي عمل آخر، مع أنهم يقدمون خدمة عامة للمجتمع.

أو حسب تعبير تيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة أبل إذا “كان من الممكن تجميع وبيع كل شيء في حياتنا، عندها سنخسر ما هو أكثر من البيانات، سنخسر الحرية في أن نكون بشرا”.