هل تخطى الفيلم المغربي الإسرائيلي 'أوتيستو' الخطوط الحمراء ثقافياً وسياسيا؟

عرض الفيلم بمهرجان مراكش يثير جدلاً نقديا واسعا، حيث واجه اتهامات بتشويه صورة الأمومة المغربية وتوظيف معاناة التوحد كغطاء لتمرير أجندات سياسية عبر إنتاج مشترك مع إسرائيل، كما قوبل العمل باستياء شديد لتضمنه مشاهد اعتُبرت صادمة ومسيئة للقيم المجتمعية.

عرض "اتويستو" هذا المساء بقاعة السفراء خلال فعاليات الدورة 22 للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش ضمن فقرة بانوراما السينما المغربية.

وشهدت الساحة السينمائية المغربية مؤخرا جدلا نقديا إثر عرض فيلم "أوتيستو"، الذي تناول موضوعين حساسين للغاية هما التوحّد وصورة الأمومة المغربية، عوض الصورة المروحة التي تبرز تلك المرآة الصادقة للعلاقة الإنسانية بين الأم وطفلها، فوُجهت إليه اتهامات صريحة بـتشويه هذه الصورة وتوظيف مرض التوحّد كواجهة سينمائية لإضفاء شرعية وجدانية على خطاب سياسي أوسع.

وتستدعي السينما المغربية اليوم مناقشات واسعة حول مدى مسؤوليتها في تقديم الواقع الثقافي والاجتماعي بدقة، خصوصا حين تتعامل مع قضايا حساسة مثل الأطفال المصابين بالتوحّد والأمومة.

 ويأتي فيلم "أوتيستو" للمخرج الفرنسي المغربي جيروم كوهين أوليفار، إنتاج مشترك بين المغرب وإسرائيل وبمشاركة الولايات المتحدة، والذي أثار نقاشا واسعا حول الطريقة التي يعرض فيها الطفل المصاب بالتوحّد والأم المغربية المكافحة، خاصة حينما ابرزت بعض المشاهد اتجربة إنسانية ظاهريًا، لكنها باطنيا تستخدم المرض كغطاء لصياغة يهودية تستثمر الألم الطفولي لإبراز صورة مشوهة للأم المغربية، متجاوزا قيم الثقافة المحلية وحرمة الأماكن المقدسة مثل المقابر.

ويبدأ فيلم "أوتيستو" بمعالجة التوحّد الإنساني لدى الأطفال كقضية درامية، لكنه سرعان ما يكشف عن خلفية أيديولوجية تخفي تحت قناع الإنسانية مشروعا ثقافيا وسياسيا، لأن المخرجة بكل بساطة يستثمر الألم والمعاناة لخلق تعاطف مبرمج مع الشخصية المراد تصديرها للشعب المغربي، بينما يضعف حضور الأم المغربية ويجعلها أداة بصريّة لاستدعاء المشاعر، ويركز تكوين اللقطات على الإثارة العاطفية دون أن يغوص في الالام النفسية والاجتماعية للتوحد مغربيا وليس غربيا، محوّلًا الألم إلى مادة تجميلية لخدمة سردية خارجية عن الثقافة المغربية.

واثار متتاليات المشاهد استغرابا في الطريقة التي يعرض فيها الطفل المصاب بالتوحد والأم المغربية المكافحة.

ويتعمد الفيلم طرح صورة ضيقة للعلاقة بين الأم وطفلها، ويستغل المواقف اليومية للطفل المصاب لإضفاء شرعية وجدانية على ما هو أساسا خطاب سياسي، فيحوّل الألم الإنساني إلى واجهة مرئية لتبرير رؤية بعينها، ويقلل من عمق التجربة الواقعية التي تواجهها الأسرة المغربية مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ويظل المشاهد أسير الصورة العاطفية دون أي تحليل نقدي للسياق الاجتماعي أو الثقافي الذي يحدث فيه المرض.

ويبرز الفيلم الأم المغربية بصورة مشوهة بعيدة عن الواقع، فعوض أن يبين كفاحها وصبرها، صوّرها كامرأة هشة عاجزة، مفصولة عن قدرتها على مواجهة الصعاب اليومية وشره عاهرة.

 ويضع الفيلم الأم في عزلة كاملة، متجاوزًا كل العلاقات الاجتماعية الداعمة في المجتمع المغربي، في محاولة لخلق إحساس بالعجز المطلق، كما جعل المخرج من خلال التصوير والإضاءة واللقطات المقربة هذا الانكسار البصري دراميا ليتقرب من الجمهور المغربي، وليعزز من فكرة هشاشة الأم وانفصالها عن محيطها، بينما يستخدم المخرج هذه الصورة لتأكيد المقارنة مع الأم المغربية الحقيقية، في رسالة رمزية واضحة لتطبيع صورة الآخر.

ويترك هذا التمثيل المشاهد في حيرة بين التعاطف المزيف والوعي بالمسافة الفاصلة بين الصورة والواقع الاجتماعي.

ويعرض الفيلم مشهد الاستحمام العاري للأم مع طفلها المصاب بالتوحّد، وهو مشهد يتجاوز حدود الحياء الثقافي والاجتماعي للمغرب. بينما يستثمر ا هذا المشهد لإثارة الصدمة، متجاهلًا أن الأمومة المغربية تقوم على الحماية والخصوصية، ولا يمكن تصورها بهذا الانفلات الجسدي، إذ خلق المشهد انطباعا بأن العلاقة بين الأم والطفل كمادة للإثارة البصرية، وهذا يضرب الرمزية الأخلاقية للأمومة في الثقافة المحلية، ويعبر هذا الاستخدام للجسد عن توجّه استغلالي للفيلم، إذ تصبح الأم مجرد أداة للعاطفة عوض أن تكون محورا إنسانيا.

ويحوّل العمل العلاقة الحميمة إلى مساحة للصراع الرمزي بين الواقعية الثقافية والانحراف البصري، ويجعل المشاهد يشهد على انتهاك الخصوصية باسم الفن، متجاوزا حدود المسؤولية الاجتماعية للسينما.

صورة ضيقة للعلاقة بين الأم وطفلها، واستغلال للمواقف اليومية للطفل المصاب بالتوحد لإضفاء شرعية وجدانية على خطاب سياسي

وتدخل متتاليات المشاهد المقبرة المغربية بطريقة تهدف إلى إحداث صدمة بصرية، متجاوزة القيم الفقهية والاجتماعية التي تعلمنا احترام القبور، حينما يوضح المشهد تجاهلا صريحا لحرمة المكان، ويُظهر الأم وطفلها في مواقف غير لائقة، ليقلل من القيمة الرمزية للمقابر في الوعي الجمعي المغربي، كما يستعمل تكوين اللقطات هذا الفضاء الجنائزي لتقديم صورة مضطربة للمجتمع، محوّلا السلامة الروحية للمكان إلى خلفية درامية فجة، بينما يضرب هذا التمثيل قدسية المكان، ويطرح سؤالًا عن حدود استخدام الرموز الدينية والثقافية في الفن.

ويحوّل أحد المشاهد المقبرة من موقع للتأمل والسكينة إلى مسرح للفوضى الرمزية، تاركا المشاهد أمام صدمة مزدوجة: بين واقع الاحترام الثقافي والتجاوز البصري المقصود.

ويلجأ الفيلم إلى الصدمة البصرية مكان التحليل النفسي، فيضع المشاهد أمام مشاهد مشوهة ومربكة دون غوص حقيقي في حياة الأم وطفلها، بينما يستخدم المخرج الإيحاءات الجنسية واللقطات المفاجئة لإثارة الانفعال كأول مشهد افتتاحي للفيلم الذي يبين مريض التوحد وهو يضاجع الأرض عوض أن يفسر الصراع النفسي والعاطفي بطريقة متماسكة لمريض توحد مراهق.