هل تدفع بغداد ثمن التراجع عن تجميد أصول أذرع إيران
بغداد - أثار التراجع المفاجئ للحكومة العراقية عن قرارها تجميد أصول كل من حزب الله اللبناني وجماعة الحوثيين اليمنية موجة واسعة من الجدل داخل المشهد السياسي العراقي والإقليمي، بينما كشفت الخطوة عن مدى تغلغل أذرع طهران في مفاصل الدولة.
ولم يكن هذا التطور مجرد تغيير إداري روتيني، بل هي انعكاس مباشر وواضح لتوازن القوى الإقليمية شديد التعقيد، وتحديدًا العلاقة المتوترة والمحورية التي تربط بين بغداد وواشنطن وطهران.
وأعربت وزارة الخارجية الأميركية عن "خيبة أمل عميقة" إزاء هذا التراجع، الذي يُعتبر بمثابة تحدٍ لمصداقية العراق كشريك في جهود مكافحة تمويل الإرهاب الإقليمي.
التداعيات الأميركية: ضغوط متصاعدة على بغداد
وتعكس خيبة الأمل إدراكًا واضحًا لخطورة هذا القرار على الأمن الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، قال مسؤول أميركي رفيع إن "كلتا الجماعتين تشكلان تهديداً للمنطقة والعالم". ويؤكد هذا التصريح على موقف الولايات المتحدة الثابت بضرورة أن "تمنع الدول استخدام أراضيها من قبل وكلاء تدعمهم إيران لأغراض التدريب أو جمع الأموال أو الحصول على السلاح أو تنفيذ الهجمات".
وهذا التصعيد اللفظي ليس نهاية المطاف، حيث أشار المسؤول إلى أن "الولايات المتحدة ستواصل الضغط على بغداد لاتخاذ إجراءات ملموسة ضد الجماعات التابعة لطهران التي تهدد المصالح الأميريكية والعراقية"، ما يعني أن تداعيات إلغاء القرار لن تكون دبلوماسية فحسب، بل من المرجح أن تمس جوهر التعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين.
الضغط الداخلي وتحدي السيادة الوطنية
في المقابل، لم يكن التراجع الحكومي نابعًا من فراغ، بل جاء نتيجة ضغوط سياسية ومالية داخلية هائلة. فالمجموعات السياسية والفصائل المسلحة العراقية القوية والمقربة من طهران، والتي تتمتع بنفوذ واسع داخل البرلمان والمؤسسات الحكومية، مارست ضغطاً لا يمكن تجاهله على الحكومة الاتحادية. وكان الهدف الأساسي هو منع إلحاق الضرر بشبكات الدعم اللوجستي والمالي بالغة الأهمية لأذرع إيران في المنطقة.
وحاولت بعض القوى العراقية تبرير هذا التراجع بأنه مسألة "سيادة وطنية"، مجادلة بأن العراق لا يجب أن يلتزم بقرارات تجميد الأصول الأميركية أحادية الجانب، ما لم تصدر بقرار عراقي مستقل أو قرار أممي مُلزِم. لكن التفسير الأقرب للواقع هو أن التنفيذ كان سيؤدي حتمًا إلى صدام سياسي ومسلح مباشر بين الحكومة وهذه الفصائل النافذة، وهو ما سيعطّل عمل الحكومة ويُدخل البلاد في أزمة داخلية حادة. لذا، يبدو أن هذا التراجع كان محاولة لتفادي انفجار الأوضاع في الساحة الداخلية.
العراق.. نقطة ارتكاز في شبكة التمويل الإقليمية
ويُعتبر العراق، بحكم موقعه كدولة مجاورة لإيران ومعبر رئيسي للتجارة والتحويلات المالية، نقطة حاسمة ومركزية في شبكات التمويل غير الرسمية التي تدعم هذه التنظيمات الإقليمية (مثل التحويلات المالية المعقدة والشركات الواجهة). وكان قرار تجميد الأصول سيوجه ضربة قوية لهذه الشبكات ويشلّ جزء كبير من حركتها، ولذلك كان إلغاؤه مطلباً وجودياً لهذه الأطراف.
التأثير على النظام المالي العراقي وقيود الدولار
ويتمثل التهديد الأكبر لقرار التراجع في تأثيره السلبي المحتمل على النظام المالي العراقي. إن التعبير عن "خيبة الأمل" من قبل الخارجية الأميركية ليس مجرد تنديد، بل يُعتبر تحديًا صريحًا لمدى موثوقية الحكومة العراقية كشريك في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
ومن المرجح أن يُترجم هذا الإجراء إلى زيادة الرقابة المشددة التي تفرضها واشنطن على النظام المالي العراقي، والذي تحول في أوقات سابقة إلى واجهة لتحويل الدولارات إلى إيران. وهذا الأمر قد يؤثر سلبًا بشكل مباشر على قدرة البنوك العراقية على إجراء المعاملات بالدولار، وهو العملة الأساسية للتجارة العالمية، واحتياطيات العراق من الدولار، التي تخضع أصلاً لرقابة صارمة من البنك الفيدرالي الأميركي.
كما يهدد هذا التردد والانسحاب من الالتزامات الدولية في مكافحة تمويل الإرهاب حجم ونوع المساعدات الأمنية والاقتصادية المقدمة للعراق، ما يضع بغداد في موقف حرج تُضطر فيه للموازنة بين حفظ علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن وتفادي الصدام مع حلفاء طهران الداخليين.