هل يصمد حراك الجزائر في مواجهة الشيطنة ومحاولة وأده

السلطة المدنية في الجزائر والتي يعتقد أنها تشكل واجهة سياسية للمؤسسة العسكرية تدفع بكل قوة للتخلص من الحراك الشعبي وفرض خارطة انتخابية بينما تسعى وراء شرعية جديدة بعد اخفاقها في استحقاقين انتخابيين سابقين في 2019 و2020.


هل يمكن للاحتجاج الاجتماعي أن يحل محل الاحتجاج السياسي؟


السلطة المدنية لجأت للحل الأمني بعد فشلها في احتواء الاحتجاجات


أمام الحراك إما المشاركة في المسار السياسي أو الضياع في مطلب "ليرحل الجميع"

الجزائر - يقاوم الحراك الشعبي في الجزائري لاستعادة زخمه الذي كان عليه قبل ظهور فيروس كورونا الذي استثمره النظام لجهة وأد الاحتجاجات قبل أن ينتقل إلى شيطنتها بزعم أنها معادية للجزائر وتقف خلفها أطراف أجنبية.  

ومنذ حظر النظام الجزائري التظاهرات السلمية في منتصف مايو/ايار بهدف خنق الحراك قبل الانتخابات التشريعية المقررة غدا السبت، توقفت الحركة الاحتجاجية، باستثناء منطقة القبائل (شمال شرق) الأمازيغية والمعروفة بتمردها.

وبعد مطاردة ناشطي الحراك في الشارع لجأ هؤلاء إلى مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن رفضهم لاقتراع أراده "نظام" يعتبرونه استبداديا وفاسدا.

لكن، هل يمكن للحراك أن يستمر رغم القمع، بعد شيطنته وشرذمته؟ ولماذا قرر النظام التخلص من الحراك؟

السلطة المدنية، واجهة المؤسسة العسكرية، مصممة على فرض "خارطة الطريق" الانتخابية، من دون مراعاة مطالب الحراك (سيادة القانون والانتقال الديمقراطي نحو السيادة الشعبية والقضاء المستقل)، من أجل استعادة "الاستقرار" بعد الانتفاضة الشعبية في 22 فبراير/شباط 2019.

وتسعى السلطة إلى شرعية جديدة بعد إخفاقها في استحقاقين انتخابيين: الاقتراع الرئاسي في العام 2019 والاستفتاء الدستوري في 2020، اللذان تميزا بمقاطعة غير مسبوقة.

وباعتمادها الحل الأمني، أجبرت وزارة الداخلية منظمي مسيرات الحراك الذي لا يتمتع بقيادة فعلية، على "التصريح" بالتظاهرات مسبقا للسلطات، الأمر الذي يعني منعها بحكم الأمر الواقع.

ويشيد النظام وعلى رأسه الرئيس عبدالمجيد تبون، بانتظام بـ "الحراك المبارك"، لكنه يعتبر أنه لبى مطالبه "في وقت قياسي".

ووجه بعدها انتقادات لـ"الحراك الجديد" على عكس "الحراك الأصيل" واصفا نشطاءه بأنهم "خليط معاد للثورة في خدمة أطراف أجنبية" معادية للجزائر. واستحوذت السلطات على ذكرى 22 فبراير/شباط تحت تسمية "اليوم الوطني للأخوة والتلاحم بين الشعب والجيش من أجل الديمقراطية". بل إن "الحراك المبارك" ورد في ديباجة الدستور.

بعد أكثر من عامين من ولادته، يواجه الحراك خيارا صعبا: المشاركة في المسار السياسي والمخاطرة بالتنازل عن مبادئه لصالح نظام لا يحظى بشعبية، أو الضياع في مطلب "ليرحل الجميع" العقيم.

وينقسم الحراك بين إسلاميين محافظين وعلمانيين ديمقراطيين، وبين المنفتحين على المشاركة السياسية ولكن بأي شروط؟ والآخرين، الأكثر عددا الذين لا يريدون ذلك.

ويرى الصحافي عابد شارف أن "الحراك هز النظام السياسي القديم في الجزائر لكنه لم ينجح بعد في فرض نظام جديد"، فهو نجح في وضع حد لحكم الرجل القوي السابق عبدالعزيز بوتفليقة، لكن الحراك المؤيد للديمقراطية تعرض لانتقادات لعدم تقديمه مقترحات سياسية ملموسة أو برنامجا انتخابيا.

كذلك، يتهمه بعض المنتقدين بأنه "اعتمد نهجا متشددا" وانحرف نحو التطرف. ويرد كريم ذابو أحد الوجوه البارزة في الحراك على ذلك بالقول إن"السلطة تقف ضد كل المبادرات. هناك جهاز قمعي جاهز لاستخدام كل الوسائل لمنع التغيير".

وبالنسبة لسجين الرأي السابق هذا، الحراك هو "أكبر حزب سياسي في الجزائر" الذي "استطاع أن يهيئ الظروف للتعايش والعمل المشترك لجميع التيارات الناشطة من أجل التغيير"، مضيفا "هناك سلطة تنظم الانتخابات وهناك شعب في الشارع".

وبات السؤال الملح في خضم هذه التطورات والمشهد المضطرب هو هل ينجو الحراك رغم القمع ويشكل بديلا سياسياً؟

وتشير أمال بوبكر الباحثة في المدرسة العليا للدراسات في العلوم الاجتماعية في باريس إلى أن "الحراك كحركة سياسية وكفكرة ومبادرة للإصلاح، لا يزال حاضرا وملائما"، فيما يعتبر الجامعي والمناضل الحقوقي قدور شويشة أن "الحراك، كحركة سياسية يبقى. ولهذا السبب لن يضعفه القمع"، فهي حركة فردية وجماعية وهي الوحيدة التي انبثقت عن المجتمع المدني بدعم من الشباب والطبقات الشعبية.

ويرى المحلل السياسي منصور قديدير أن الحراك "قد يشهد تطورات أخرى أو يقدم أشكالا أخرى من الاحتجاج، لكنه سيستمر في نشر الوعي الجماعي طالما بقي النظام السياسي على حاله"، مضيفا "وفي الفضاء الافتراضي النشط للغاية، يستمر في تنوير العقول".

ويؤجج تدهور الوضع الاقتصادي التوترات الاجتماعية ويغذيها معدل بطالة مرتفع يقدر بنحو 15 بالمئة وإفقار شرائح كبيرة من المجتمع.

وتشير داليا غانم الباحثة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط إلى أن "القضية الاجتماعية، التي غابت خلال الموجة الأولى من الحراك في العام 2019، أصبحت جزءا من الاحتجاج السياسي"، بينما شددت الحكومة نبرتها في وقت سابق من هذا الشهر بشجب "استغلال النشاط النقابي من قبل بعض الحركات التخريبية".

ويقول قديدير "في سياق الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت بسبب التوترات السياسية، سيبقى الحراك، الحاضن الوحيد لجميع الإحباطات الاجتماعية، الوسيلة الوحيدة للتعبئة الشعبية".