هل ينجح سعيّد في تفكيك الألغام السياسية والاقتصادية

الرئيس التونسي الجديد على خلاف الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، لا يمتلك خبرة في السياسات الخارجية وليست له شبكة علاقات خارجية ومواقفه تبدو حزمة مبادئ أكثر منها خططا عملية واضحة.



ملفات حارقة في انتظار الرئيس التونسي المنتخب


الرئيس التونسي الجديد كمن يمشي في حقل ألغام


سعيد يتولى الرئاسة في ظروف ملغومة سياسيا واقتصاديا

تونس - طوت تونس صفحة الانتخابات الرئاسية بإعلان فوز أستاذ القانون الدستوري المتقاعد قيس سعيد على منافسه رجل الأعمال وقطب الإعلام نبيل القروي بفارق شاسع، لكن المشهد السياسي التونسي انفتح بعد هذا الاستحقاق وقبله الاستحقاق التشريعي، على المزيد من التعقيدات في ظل مجلس نواب مشتت وهيمنة الإسلاميين بأغلبية ضعيفة على البرلمان، فيما ينتظر ساكن قرطاج الجديد ملفات حارقة يتصدرها ملف تشكيل حكومة متجانسة وفاعلة لإخراج البلاد من أزمة اقتصادية متفاقمة.

وكان الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي سياسيا محنكا امتلك من الخبرة والقدرة ما مكنّه من إحداث توازن سياسي في الوقت الذي كانت فيه حركة النهضة الإسلامية تتحرك بكل ثقلها لانتزاع المزيد من المكاسب السياسية والهيمنة على مؤسسات الدولة.

وشكلت انتخابات 2014 التشريعية والرئاسية منعطفا تاريخيا في مسار المشهد السياسي التونسي، لكن حزب نداء تونس الذي أسس الرئيس الراحل وأوصله لقصر قرطاج تفكك لاحقا بعد أن دخل في شراكة سياسية مع الإسلاميين بمنطق أن تونس لا تحكم إلا بالتوافق.

 لكن الظروف اختلفت في الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة، فالرئيس الجديد لا يملك من الخبرة والحنكة السياسية ما كان يتمتع به الباجي قائد السبسي ليحدث توازنا في المشهد السياسي.

الرئيس التونسي الراحل نجح في كبح جموح النهضة للهيمنة على الحكم وأحدث توازنات سياسية في ظرف حساس
الرئيس التونسي الراحل نجح في كبح جموح النهضة للهيمنة على الحكم وأحدث توازنات سياسية في ظرف حساس

وعلى الرغم من الفوز الساحق الذي حققه قيس سعيد، لا يبدو أن طريق التغيير ومكافحة الفساد سالكة أمامه، فالرجل كمن يمشي في حقل ألغام مع تعاظم نفوذ لوبيات الفساد ولوبيات سياسية تكيّف نشاطها مع مصالحها.

ومن المتوقع أيضا أن يُعقد الدعم الذي أبدته حركة النهضة وأحزاب سياسية أخرى يمثل بعضها منظومة الحكم السابقة، مهمة سعيّد الذي يتمسك بالاستقلالية وبـ"المسار الثوري".

وسيكون على الرئيس التونسي الجديد رفع تحديات كثيرة لعلّ أبرزها التوصل إلى تشكيل حكومة تكون شريكا فاعلا له لتنفيذ خططه ومنها إنعاش الاقتصاد ومكافحة البطالة والفساد وعجز الخزينة وتحسين الوضع الأمني أو أيضا بدء العمل على لامركزية سياسية موسعة.

وتشمل الملفات الحارقة التي أمام أستاذ القانون الدستوري المنتخب بغالبية الأصوات صلاحياته الدستورية وأيضا ما لا يخصه مباشرة.

دبلوماسيا، قدم سعيّد (61 عاما) الذي لا يمتلك خبرة في السياسات الخارجية وليست له شبكة علاقات خارجية "مواقف ومبادئ أكثر منها خططا عملية واضحة"، وفقا لخبير العلاقات الدولية توفيق وناس.

وظهر ذلك خصوصا في مساندة قوية أبداها سعيّد لـ"تجريم التطبيع" مع إسرائيل واعتباره "خيانة عظمى" ودعم القضية الفلسطينية، ما جعل منه "بطلا قوميا" في نظر أنصاره.

ويمكن تلخيص تصريحات الرئيس المنتخب في خصوص الملفات الخارجية في "الإبقاء على ثوابت الدولة وتعهداتها الخارجية"، بالإضافة إلى أنه يدعو إلى أن تكون تونس "قوّة اقتراح" لحل مشكل النزاع في كل من سوريا والجارة ليبيا.

ويقول ونّاس وهو دبلوماسي سابق لدى الأمم المتحدة "لا ننتظر تغييرا جذريا في سياسة تونس الخارجية"، لكن في المقابل "يمكن أن نرفع بعض الضبابية والغموض" في موقف تونس تجاه الوضع في سوريا وإمكانية إعادة العلاقات لتي قطعها الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي في 2012.

الصلاحيات المحدودة التي يتمتع بها الرئيس التونسي تعتبر واحدة من المعضلات فهو لا يملك هامشا واسعا للتدخل في مجال الاقتصاد الذي يعتبر حكرا على الحكومة

وتترأس تونس هذه السنة جامعة الدول العربية بالإضافة إلى أنها ستكون عضوا في مجلس الأمن. وأعلن سعيّد أن زيارته الأولى إلى الخارج ستكون إلى الجزائر، متمنيا أيضا زيارة ليبيا.

أوروبيا، يري ونّاس أنه "سيكون هناك تواصل في العلاقات مع فرنسا والاتحاد الأوروبي"، وهو ما أكده سعيّد حين سئل عن فرنسا قائلا "علاقاتنا إستراتيجية".

وفي الوقت ذاته لا تزال حال الطوارئ سارية في البلاد إلى نهاية العام الحالي وتم إقرارها إثر هجمات شنها مسلحون في 2015 استهدفت سياحا وأمنيين وعسكريين.

وتقلصت وتيرة الهجمات التي انطلقت منذ 2012 لكنها لم تنته. في نهاية شهر يونيو/حزيران الماضي، هزّ تفجيران انتحاريان العاصمة تونس أسفرا عن مقتل عنصر أمن ومدني وإصابة سبعة أشخاص بجروح ما أعاد ملف الإرهاب إلى دائرة الضوء.

وخلال المناظرة التلفزيونية التي جمعته بمنافسه نبيل القروي الجمعة الماضي، دافع سعيّد عن فكرة مقاومة الإرهاب بالتعليم وتدريس الفلسفة في المدارس "لحماية" الشباب من هذه الآفة.

وجعل الرئيس المنتخب من التعليم والصحة والمرافق العمومية وملف المياه أولويات له، معتبرا أنها تدخل في نطاق الأمن القومي الذي هو من صلاحياته بموجب الدستور التونسي.

وتطرح الصلاحيات المحدودة التي يتمتع بها الرئيس التونسي كذلك أكثر من علامة استفهام، فهو لا يملك مجالا واسعا للتدخل في مجال الاقتصاد التي تعتبر حكرا على الحكومة، وهي معضلة أخرى في طريق سعيّد الراغب في تنشيط الاقتصاد.

ويرى جزء كبير من الذين انتخبوه في سعيّد الرجل القادر على مقاومة الفساد والقيام بإصلاحات اقتصادية واجتماعية تُمكّن من الحدّ من البطالة والتضخم في البلاد.

لا يملك سعيّد في هذا الملف سوى تقديم مشاريع ومقترحات قوانين للبرلمان من أجل خلق فرص عمل للشباب مثلا.

وينطلق سعيّد في مقترحاته من شعار رفع خلال ثورة 2011 "الشعب يريد" ويقدم انطلاقا من ذلك فكرة توزيع السلطة على مجالس جهوية في مختلف مناطق البلاد، ما يسمح بإرساء "الديمقراطية المباشرة"، وفقا لتعبيره.

ومن الصعب أن تتفق كتل البرلمان المشتتة والمتنوعة على هذا المقترح. في المقابل ربما يحظى بدعم من الكتلة الأولى: حركة النهضة (52 نائبا من مجموع 2017) التي دعت أنصارها للتصويت لسعيد في الدورة الرئاسية الثانية.

ولا يزال مشروع إحداث توازن بين المناطق الداخلية في البلاد عبر لامركزية السلطة والذي كان مطلبا جماهيريا خلال ثورة 2011 قائما، إلا أن الطبقة السياسية لم تكن حريصة على تنفيذه بالشكل الذي يقنع التونسيين.

وتمت المصادقة على قانون الجماعات المحلية قبيل الانتخابات البلدية منتصف العام 2018 من أجل منحها تفويضا وسلطات أوسع في اتخاذ القرارات، لكن تطبيق ذلك لم يلقى صداه على أرض الواقع لخلافات سياسية في تركيبة المجالس.

وتقول نسرين جلايلية رئيسة منظمة "بوصلة" التي تتابع الشأن البرلماني في تونس "رفض وزراء ونواب فكرة توزيع السلطة وسيكون هناك دفع جديدة لفكرة اللامركزية" مع وجود رئيس يتبنى الفكرة.