هندسة عكسية للشرق الأوسط
أسرف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في الحديث عن إعادة هندسة منطقة الشرق الأوسط بالطريقة التي توفر تفوقا استراتيجيا كاسحا لإسرائيل وهيمنة على مفاصلها.
حظيت هذه الرؤية باهتمام منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة. كلما خاض الرجل حربا وحقق نجاحا فيها أعاد التذكير برؤيته الرئيسية في محاولة لترسيخها في الأذهان ومنحها قابلية تلقائية مستمرة في المنطقة، وتثبيت قدرته على القيام بتحولات لم تحدث من قبل.
لم ينتبه نتنياهو إلى المعوقات التي تواجه رؤيته وتجاهل الصعوبات الميدانية وتحديات الجغرافيا السياسية واهتزاز صورته داخل إسرائيل والولايات المتحدة، وحافظ على سميفونية محببة تتعلق بهندسة الشرق الأوسط، التي كلما واجه تحديات إقليمية يعود إلى التذكير بها باعتبارها من المسلمات الحاكمة في توجهاته السياسية.
لم يعد نتنياهو يكرر سردية التغيير كهدف حاضر أو مستقبلي بل قاده صلفه إلى توصيفه بحسبانه من الماضي، أي حدث التغيير بالفعل وتم تجاوزه والدخول في مرحلة جني الثمار الاستراتيجية.
من يدقق في الترتيبات التي يقصدها نتنياهو يجدها خاوية من المضامين العميقة. لم ينجح في إعادة هندسة غزة حتى الآن. نعم أحدث تدميرا في بنيتها التحتية والأمنية وسيطر على نصف ساحتها تقريبا، لكنه لم يفلح في إحكام قبضته تماما عليها.
يمكن أن ترتخي أو تتلاشى هذه القبضة لاحقا بفعل تطورات إقليمية متلاحقة قد تقلب المعادلة في اتجاه يعمل ضد رغبة إسرائيل التي يحملها كثيرون جزءا كبيرا من مسؤولية الانفلات الحاصل في بأماكن عدة في المنطقة
يشير المأزق الذي تواجهه قوات الإحتلال في جنوب لبنان وشدة الضربات التي تتعرض لها من قبل عناصر حزب الله وعدم توقف صواريخه ومسيراته، إلى أن التغيير الذي يريده نتنياهو لم يكتمل بعد.
ربما ينقلب عليه أيضا إذا فشلت عملية المفاوضات بين إسرائيل ولبنان ولم تحقق أغراضها النهائية في الاحتفاظ بالهدوء اللازم على جبهة شمال إسرائيل. ورغم توغل قوات الإحتلال في جنوب سوريا لا يزال الأمر مرتبكا للقطع بأن إسرائيل غيّرت الجغرافيا السورية لصالحها.
تتعرض التوازنات التي أراد نتنياهو تشييدها مع إيران لتحديات جيوسياسية، قد تؤدي بها إلى ترتيبات عكس المسار الذي خططت له إسرائيل. خروج طهران من الحرب التي شنتها عليها الولايات المتحدة ومعها إسرائيل، متماسكة نسبيا يعني أن مسألة الترتيبات الجديدة قد جانبها الصواب.
وقد تأتي الرياح بما لا تشتهي سفن نتنياهو وأعوانه وتضرب أهدافهم الحيوية في مقتل على الجبهات التي ظنوا أنهم استطاعوا تغيير معادلاتها بالشكل الذي يصب في صالح إسرائيل بلا مواربة، ويساعدها على مضاعفة تغولها وزيادة هيمنتها على منطقة الشرق الأوسط.
تؤكد ملامح التعثر الأميركي في التعامل عسكريا وسياسيا مع الحرب على إيران أن أهداف نتنياهو الإقليمية تتعرض لمطبات تهدد رغبته في إعادة ترتيب أوراق المنطقة على مقاسه.
قد يحدث نوع من أنواع الهندسة العكسية وهي عملية تحليل تقوم على التفكيك والفهم ترمي لإعادة إنتاج المنتج ومع أنها أداة مهمة لفهم تقنيات المنافسين وتستخدم في الميكانيكا والالكترونيات والبرمجيات، إلا أننا سنحاول توظيف هذه النظرية في الأدبيات السياسية الراهنة لتقريب المشهد أكثر لما يجري في المنطقة.
بعد تصميم نتنياهو على إعادة هندسة منطقة الشرق الأوسط وترتيبها بما يتواءم مع أهدافه، ظهرت تطورات تسير عكس الاتجاه. لم يتم اجتثاث حركة حماس في غزة. وتواجه عملية نزع سلاح حزب الله مشكلات هيكلية تحول دون اكتمالها بنجاح. وتسعى إيران ليكون لها مكانا سلميا تحت شمس الخليج العربي بموجب تفاهمات مشتركة تنهي القطيعة والحساسيات والخلافات السابقة.
ناهيك عن تحركات تقوم بها مصر والسعودية ومعهما تركيا لقطع الطريق على مشروع إسرائيل الكبرى وتحجيم نفوذ إسرائيل الصغرى. وتشكيل تحالف جديد يعيد الاعتبار للأمن القومي العربي والإقليمي بعد تعرض كلاهما لتآكل كبير خلال السنوات الماضية. تآكل أسهم في رفع سقف طموحات إسرائيل، وتكريس مفهوم ترتيبات نتنياهو الجديدة، والتوسع في احتلال مزيد من الأراضي العربية ومحاولة القضاء على حلم الإعلان عن دولة فلسطينية في المستقبل، والدخول في شراكات واسعة مع بعض دول المنطقة.
تقود نظرية الهندسة العكسية السياسية إلى عدم استبعاد حدوث تحركات مغايرة لتوجهات إسرائيل القائمة على التفوق النوعي في موازين القوى العسكرية. الصراعات التي اندلعت في السنوات الماضية ونهم إسرائيل للسيطرة على مقاليد الحل والعقد، لفتت انتباه قوى إقليمية إلى خطورة ما تحمله رؤية نتنياهو التي لم يتردد في الافصاح عنها صراحة أكثر من مرة. وبدأت تتشكل في مراكز صناعة القرار لدى بعض الجهات الرئيسية قناعة لضرورة تغيير هذه المعادلة بشكل يحدث تحولا مضادا لما تطمح إسرائيل إلى تحقيقه من أهداف جيوسياسية.
تستند الرؤية العكسية على تحولات كبيرة حدثت في المجتمع الدولي حيال النظر إلى إسرائيل كعنصر قلق وإزعاج، وليست واحة للحرية والديمقراطية أو أداة للاستقرار والأمن في الشرق الأوسط وسوف يتسع المأزق بعد أن بدأ التبدل تظهر معالمه داخل الولايات المتحدة نتيجة تماثل الإدارة الأميركية الحالية مع الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل وما يحمله هذا التماثل من تكاليف باهظة على واشنطن.
كما أن عدم اكتمال ما خطط له نتنياهو على بعض الجبهات الإقليمية، يجعل هندسة الشرق الأوسط عملية مبتورة وفقا لجدوله، يمكن أن تكون لها نتائج قاتمة على إسرائيل، وتنزع منها قدرتها على ترتيب المنطقة حسب رؤيتها الجامحة، وتوفير قاعدة جيدة لخصومها لردعها وصد مخططاتها. وقد تصبح هذه الفرصة ملائمة لصياغة منظومة متماسكة للوقوف في مواجهة إسرائيل وتقويض أحلامها للتحكم في المفاصل الإقليمية.
يواجه نتنياهو أزمة مزدوجة في الداخل والخارج، حيث بدأت تتعالى أصوات معارضة لتصوراته التي قادت إلى دخول إسرائيل في صراعات عدة في وقت واحد، على خلاف ما كان سابقا بشأن عدم تعدد مسارات الحروب التي تخوضها إسرائيل. وهناك تحالف صاعد للمعارضة بين يائير لابيد ونفتالي بينيت يمكن أن يمثل تهديدا للأغلبية الضعيفة التي يتمتع بها نتنياهو في الكنيست.
كما أن الاستنكارات الكثيرة على الساحة الخارجية لتصرفاته قلصت من تأثير إسرائيل في دول غربية مثلت حاضنة لها. ما يجعل مشروع نتنياهو لإعادة الهندسة معرضا لمزيد من الرفض والتآكل والتصدي له خوفا من أن يؤدي التصميم عليه إلى حدوث صراعات أشد وطأة في المنطقة، تضاعف من عملية خلط الأوراق فيها.