واشنطن ترسل قائما جديدا بالأعمال إلى بغداد في لحظة مفصلية

جوش هاريس يصل بغداد حاملا خبرة دبلوماسية وسمعة في جذب الاستثمارات، بهدف تحويل العلاقة إلى شراكة اقتصادية حقيقية.

بغداد - يودع القائم بالأعمال الأميركي ستيفن فاجن العراق بعد ثلاثة أشهر حاسمة، عُرف خلالها بنقل الرسائل والتحذيرات إلى القادة السياسيين، ليخلفه جوش هاريس، الدبلوماسي المخضرم وصاحب الخبرة في ملفات المنطقة، وذلك في غمرة التوترات المتصاعدة بين بغداد وواشنطن.  

وقالت السفارة الأميركية في بيان على منصة إكس الاثنين، "نُعرب عن امتناننا للقائم بالأعمال فاجن، على قيادته الراسخة في عموم العراق، وعلى جهوده في تعزيز الروابط وخلق الفرص للاستثمار الأميركي".

وأضافت "ومع استعداد القائم بالأعمال فاجن لمغادرة العراق، نتطلع إلى الترحيب بالقائم بالأعمال الجديد، جوش هاريس، الأسبوع المقبل لمواصلة هذا العمل المهم".

وكان فاجن قد تولى مهامه كقائم بالأعمال بالإنابة في سفارة الولايات المتحدة لدى العراق منذ 29 مايو 2025، حيث يواصل في الوقت نفسه مهامه كسفير للولايات المتحدة لدى جمهورية اليمن، وهو المنصب الذي يشغله منذ عام 2022، ولا يزال معتمدا هناك حتى الآن.

ويأتي خليفته، هاريس، بسجل دبلوماسي حافل من العمل في منطقة شمال أفريقيا، مع مناصب عديدة في مكتب شؤون الشرق الأدنى، الى جانب توليه إدارة شؤون العراق في المجلس القومي الأميركي.

ويحمل القائم بالأعمال الجديد شهادة مدرسة أ. والش للخدمات الخارجية في جامعة جورج تاون، وشهادة أخرى من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، إضافة الى إجادته العربية، الفرنسية، الإيطالية، البولندية، السلوفينية ولغته الأم الإنجليزية.

ويعد هاريس من الشخصيات الدبلوماسية البارزة التي تتمتع بخبرة واسعة في الشؤون الدولية، وخاصة في منطقة شمال أفريقيا، فهو عضو مهني في السلك الدبلوماسي، وشغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية في مكتب شؤون الشرق الأدنى، حيث يشرف على العلاقات الدبلوماسية والسياسة الأميركية تجاه مجموعة من دول المنطقة، كما شغل سابقا منصب مدير لشؤون شمال أفريقيا بمجلس الأمن القومي، ونائب رئيس البعثة والقائم بالأعمال المؤقت في السفارة الأميركية بطرابلس، وفي المكتب الخارجي للسفارة بتونس.

وترأس مكتب شؤون المغرب العربي بوزارة الخارجية، وشغل منصب مدير السياسات للمبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش، فضلا عن توليه إدارة شؤون العراق في مجلس الأمن القومي، وعمل بمهام دبلوماسية خارجية في سلوفينيا، العراق، وكرواتيا.

وتعكس خبرة هاريس الواسعة أهمية واشنطن لتطوير علاقاتها مع بغداد في هذه المرحلة الحساسة.

ويصل جوش هاريس إلى بغداد الأسبوع المقبل حاملا معه ليس فقط خبرته الدبلوماسية الواسعة، بل أيضا سمعته في جلب الاستثمارات وتعزيز الفرص الاقتصادية. هذه السمعة قد تكون ورقة رابحة في مهمته بالعراق، خصوصا في ظل حاجة البلاد الماسة إلى مشاريع تعيد بناء بنيتها التحتية وتنشّط اقتصادها.

 فبينما كان سلفه يركز على نقل الرسائل والتحذيرات السياسية، قد يكون محور عمل هاريس هو إقناع الشركات الأميركية بالاستثمار في العراق، وتحويل العلاقة بين البلدين من مجرد شراكة أمنية إلى شراكة اقتصادية حقيقية، ما قد يفتح آفاقا جديدة للاستقرار والازدهار.

ويُعد توقيت هذا التغيير الدبلوماسي بالغ الأهمية، حيث يتزامن مع بدء تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، عبر مغادرة أول قوة أميركية من قاعدة الأسد في الأنبار باتجاه أربيل، واتجاه جزء منها للكويت، وآخر نحو قاعدة التنف في سوريا، على مراحل تستمر حتى سبتمبر 2026، لتحقيق الانسحاب الكامل.

وجاء قرار سحب جزء من القوات الأميركية خلافا للجدول الزمني الذي كان قد تم الاتفاق حوله بشأن الانسحاب التدريجي للقوات، والذي كان من المفترض أن يجري بعد إجراء الانتخابات التشريعية في نوفمبر المقبل، حيث يرجح مختصون في الشأن السياسي أن يكون رد فعل من الإدارة الأميركية تجاه موقف العراق المنحاز إلى إيران خلال الفترة الماضية.

وتعزز هذه التكهنات الجدل الدائر في العراق حول مذكرة التفاهم الأمنية التي وُقعت مؤخرا مع إيران خلال زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى بغداد، فبينما يرى البعض أنها تعزز التعاون الأمني، يعتبرها آخرون أنها انحياز واضح للمحور الإيراني على حساب الشراكة مع الولايات المتحدة.

ويواجه هاريس تحديات كبيرة في منصبه الجديد، أبرزها إدارة الانسحاب الأميركي بطريقة تضمن استقرار العراق، ومواجهة تزايد النفوذ الإيراني، وإعادة بناء الثقة مع القادة السياسيين العراقيين. كما سيتعين عليه التعامل مع حالة الشغور التي عانى منها منصب السفير الأميركي في بغداد لفترة طويلة، بعد أن ظل المنصب شاغرا منذ مغادرة السفيرة السابقة إلينا رومانوكسي، وعدم تحقق تعيين تريسي جاكوبسون.

ويؤكد تعيين دبلوماسي بحجم جوش هاريس على أن واشنطن تولي أهمية قصوى لمستقبلها في العراق، ومهمته لن تقتصر على الدبلوماسية التقليدية بل ستتجاوزها إلى إدارة شبكة معقدة من المصالح المتضاربة.