واشنطن ولندن تبحثان وضع أسس اتفاق تجاري بعد بريكست

حزب العمال المعارض يتهم بوريس جونسون بالتفاوض سرا مع الولايات المتحدة لفتح النظام العام للتغطية الصحية أمام شركات الأدوية الأميركية في إطار اتفاق تجاري.


بريكست يخلّف فجوة بـ12 مليار يورو في ميزانية الاتحاد الأوروبي


جونسون وبومبيو يناقشان التقارب الاقتصادي عشية بريكست


ترامب اقترح في ذروة مفاوضات بريكست اتفاقا تجاريا رائعا مع بريطانيا

لندن - تستعد لندن وواشنطن لوضع أسس التقارب التجاري الذي يأمل البلدان بتحقيقه في فترة ما بعد بريكست بعد أن دخل اتفاق الانفصال مراحله الأخيرة بمصادقة البرلمان الأوروبي على اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وعلى وقع هذه التطورات وصل وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو مساء الأربعاء إلى العاصمة البريطانية لعقد سلسلة لقاءات الخميس مع رئيس الوزراء بوريس جونسون وعددا من كبار المسؤولين في حكومته.

ويحظى جونسون بدعم كبير من الرئيس الجمهوري دونالد ترامب. وسبق للأخير أن أعلن عزمه تعزيز العلاقات التجارية مع بريطانيا، محفزا المملكة المتحدة على الخروج من التكتل الأوروبي، إلا أن هذا الدعم لا يحجب خلافات قائمة لاتزال عالقة بين البلدين.

ويساند الرئيس الأميركي بريكست بحماس واقترح إبرام اتفاق تجاري ثنائي "رائع" مع بريطانيا.

وبدأ العد العكسي للخروج من الاتحاد الذي سيتم رسميا الجمعة على الساعة 23:00 بتوقيت غرينيتش بعد ثلاثة أعوام ونصف من الأزمة التي بدأت مع استفتاء عام 2016.

وبينما كان البرلمان الأوروبي في بروكسل يودع النواب البريطانيين الأربعاء، حطّ وزير الخارجية الأميركي رحاله في لندن للتجهيز لما بعد بريكست.

وترغب المملكة المتحدة في إبرام اتفاق تجاري طموح مع الولايات المتحدة يكون رمزا لاستعادتها حرية النشاط، لكن هذا التقارب الاقتصادي مع حليفها التاريخي تعقده عدة ملفات حاضرة في جدول نقاشات الزيارة.

ومن أبرز تلك الملفات الدور الذي منحته بريطانيا الثلاثاء لهواوي في شبكة الجيل الخامس رغم تحذيرات واشنطن التي ترى أن الشركة مقربة أكثر من اللازم من الحكومة الصينية، مع ما يثيره ذلك من مخاطر تجسس.

وأثارت ملفات أخرى توترات بين البلدين مثل المشروع البريطاني لفرض ضرائب على الشركات الرقمية العملاقة واختلاف وجهات النظر حول النووي الإيراني، ما يدفع جونسون لأن يوازن العلاقة مع الأميركيين والأوروبيين في الملفات الدولية الكبرى.

وقبل استقباله من رئيس الحكومة الخميس، بدأ بومبيو زيارته بلقاء نظيره دومينيك راب مساء الأربعاء. وركز الرجلان نقاشاتهما حول خطة السلام التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقد كانت بريطانيا من بين الدول القليلة التي اعتبرتها خطة جيدة.

وقال راب في تغريدة على حسابه بتوتير "ناقشنا خطة السلام الأميركية في الشرق الأوسط وإيران والأولويات المشتركة الأخرى"، مشيرا إلى أنه تحدث مع ضيفه عن رفض الولايات المتحدة ترحيل زوجة دبلوماسي أميركي تورطت في حادث طريق مميت في انكلترا وهو موضوع خلاف بين البلدين.

ورغم هذه الخلافات، وقف وزيرا الخارجية مبتسمين لالتقاط صور، فيما أشاد بومبيو في تغريدة على تويتر ببريطانيا التي اعتبرها "حليفا لا غنى عنه".

وأنهى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تحالفا مضطربا استمر 47 عاما. وقال بوريس جونسون المناصر المتحمس لبريكست في فيديو نشره على حسابه بتويتر "إن الخروج يمثل لحظة تاريخية لبلدنا. لحظة حافلة بالأمل والفرص".

وقال بومبيو في تصريحات أدلى بها أثناء وجوده في الطائرة التي أقلته إلى لندن إنه "توجد الكثير من المواضيع المطروحة للنقاش مع المملكة المتحدة انطلاقا من لحظة دخولها مرحلة جديدة من السيادة"، متحدثا أيضا عن "قضايا تجارية كبرى" وكذلك "قضايا أمنية مهمة".

وستدخل المملكة المتحدة بعد بريكست مرحلة مفاوضات تجارية حساسة مع الاتحاد الأوروبي وكذلك مع دول أخرى، لكنها ستواصل تطبيق قانون الجماعة الأوروبية أثناء الفترة الانتقالية التي تنتهي في ديسمبر/كانون الأول.

ولإبرام اتفاق مع الولايات المتحدة قد تضطر المملكة المتحدة لقبول توريد بضائع بمعايير وقائية صحية وبيئية أدنى من معايير الاتحاد الأوروبي.

واتهم حزب العمال المعارض بوريس جونسون بالتفاوض سرا مع الولايات المتحدة لفتح النظام العام للتغطية الصحية أمام شركات الأدوية الأميركية في إطار اتفاق تجاري.

في الأثناء، ودع النواب البريطانيون البرلمان الأوروبي الأربعاء بعد مصادقته على اتفاق بريكست. واعتبر بعض هؤلاء أن ذلك "ليس إلا فراقا مؤقتا"، كما ارتدى بعضهم أوشحة تحمل ألوان علمي بريطانيا والاتحاد الأوروبي.

أما النواب المساندون لبريكست وعلى رأسهم النائب الشعبوي نايجل فاراج فهم يستعدون للاحتفال أمام مقر البرلمان البريطاني مساء الجمعة.

وأكد جونسون الذي سيلقي خطابا للأمة الجمعة على الساعة 22:00 بتوقيت غرينيتش أنه سيحتفل بالحدث "على نحو محترم يشرّف الانجاز الرائع الذي حققته المملكة المتحدة، لكن مع احترام مشاعر الجميع"، في بلد لا يزال منقسما بشدة حول الموضوع.

وستخلف مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي فجوة مالية هائلة تبلغ 12 مليار يورو انطلاقا من عام 2021 ليزداد تعقيد المفاوضات بين الدول الـ27 المتبقية حول الميزانية طويلة الأمد المقبلة للاتحاد.

ولحل مشكلة الإطار المالي متعدد الأعوام (2021-2027)، وضعت المفوضية الأوروبية تحت إشراف جان كلود يونكر مقترحا منذ مايو/أيار 2018، قبل أن تسلم المسؤولية للفريق الجديد برئاسة أورسولا فون دير لايين.

بومبيو وراب بحثا القضايا الخلافية العالقة بين واشنطن ولندن
بومبيو وراب بحثا القضايا الخلافية العالقة بين واشنطن ولندن

وصار الملف بين يدي رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال الذي دعا إلى قمة استثنائية لمحاولة التوفيق بين الدول الـ27. وسينطلق اجتماع القمة يوم الخميس 20 فبراير/شباط ومن المنتظر أن يؤجل حسم الموضوع.

وتمثل بريطانيا "مساهما صافيا" في الميزانية الأوروبية أي أنها تعطي أكثر مما تتلقى. ووفق حسابات المفوضية الأوروبية، سترتفع الخسارة من 12 مليار يورو عام 2021 إلى 84 مليار على امتداد 7 أعوام.

والحل الذي دعا إليه مفوض الميزانية غونتر أوتينغر هو زيادة مساهمة الدول الأعضاء من جهة وتقليص الإنفاق على السياسات التقليدية للاتحاد (التماسك، الزراعة) من جهة ثانية للوصول إلى ميزانية 'عصرية' تركز على أولويات جديدة (البيئة والأمن والهجرة والدفاع). وحتى الآن لا يزال النقاش متعطلا رغم الاتصالات العديدة التي أجراها ميشال مع عواصم دول الاتحاد.

ويقول نيكولا-جان بريون المختص في الميزانية الأوروبية بمؤسسة شومان "نأمل أن يحدث البريكست صدمة إيجابية، لكن أظن أنه سيتم إعادة إنتاج الماضي".

وتركز النقاشات الأولى على حجم مساهمة الدول الأعضاء في الإطار المالي متعدد الأعوام، بينما تشكل نادي "الواحد بالمئة" الذي تتزعمه ألمانيا والنمسا وهولندا والدول الاسكندينافية بهدف إبقاء الميزانية في حدود واحد بالمئة من إجمالي ناتج الاتحاد الأوروبي.

ويشير بريون إلى أن هذا الرقم "يمثل عتبة رمزية وهو أيضا عتبة سياسية طالبت بها ألمانيا وبريطانيا"، مذكرا بأن البلدين كانا "أول من طالب بوضع حدود قصوى أكثر صرامة" في الميزانية.

ويرى الخبير أن بريكست حرم ألمانيا من حليف في المفاوضات، فيما كانت المفوضية قد اقترحت عتبة بـ1.114 بالمئة (ما يعني ميزانية بقيمة 1134 مليار يورو بالأسعار الثابتة لعام 2018 أو 1279 مليار يورو بالأسعار الحالية)، محذّرة من تقليصها إلى واحد بالمئة.

وتمثل الميزانية حاليا مع الأخذ في الاعتبار مغادرة بريطانيا، 1.16 بالمئة من إجمالي ناتج الاتحاد ويدافع البرلمان الأوروبي عن زيادتها إلى 1.3 بالمئة.

كما تسعى المفوضية الأوروبية للاستفادة من بريكست لحظر التخفيضات التي بدأ تطبيقها مع بريطانيا عام 1984 (حين قالت مارغريت تاتشر "أريد استعادة أموالي") وتستفيد منها 5 دول من بين الأكثر ثراء في الاتحاد وهي ألمانيا والدنمارك وهولندا والنمسا والسويد.

وعبرت المفوضية عن أسفها لأن الدول "الأكثر ثراء تساهم بنسب أدنى من إجمالي دخلها"، وتقترح التخلي تدريجيا عن التخفيضات خلال خمسة أعوام.

وترى 18 دولة أخرى على الأقل أن بريكست "فرصة فريدة لإصلاح وتحديث" موارد الإطار المالي متعدد الأعوام.

وتؤكد هذه المجموعة التي توجد فيها فرنسا واسبانيا وايطاليا وبولندا ودول البلطيق وبلغاريا ورومانيا والمجر، أنه "لا توجد أي دولة تعاني ثقلا ضريبيا إلى درجة تسمح لها" بطلب تخفيض.

ويرى بريون أن "التخفيضات لم تكن الغاية منها تحقيق التوازن بين المساهمات بل جعلها مقبولة"، فيما تجادل ألمانيا بأنها "ستدفع مساهمة أكبر بكثير" بعد بريكست "حتى وإن كانت 1 بالمئة"، وفق ما قال الوزير ميخائيل روث خلال اجتماع حديث للاتحاد في بروكسل.

وأحيا احتمال تبني إجراءات لتقليص المصاريف النقاش حول ضرورة البحث عن موارد خاصة بالاتحاد تضاف إلى مساهمات الدول.

ومن بين الخيارات المقترحة لتوفير موارد فرض ضريبة على المنتجات الأجنبية عالية الكربون وضريبة على البلاستيك أو على المداخيل المتأتية من سوق الكربون الأوروبية.