وفد سوري في موسكو لإعادة ضبط العلاقات

زيارة الوفد السوري تشكل امتدادا لمسار بدأ يتبلور خلال الأشهر الماضية، تمثّل في سلسلة من الاتصالات والزيارات المتبادلة، كان أبرزها زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو في 15 أكتوبر الماضي.

موسكو – وصل وزيرا الخارجية والدفاع السوريان، أسعد الشيباني ومرهف أبو قصرة الثلاثاء، إلى العاصمة الروسية موسكو، في زيارة رسمية لإجراء مباحثات مع المسؤولين الروس.

وذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، نقلاً عن إدارة الإعلام في وزارة الخارجية، أن الوفد السوري يضم وزيري الخارجية والدفاع إلى جانب مسؤولين في الاستخبارات العامة، من دون الكشف عن مدة الزيارة أو جدول أعمالها.

وتندرج زيارة الوفد السوري إلى موسكو في سياق سياسي بالغ الحساسية، يعكس ملامح مرحلة جديدة في علاقات دمشق مع حليف تقليدي ارتبط اسمه طويلاً بالنظام السابق، فالزيارة التي أعلنت عنها وكالة الأنباء السورية الرسمية تأتي بعد أقل من عام على التحولات الجذرية التي شهدتها سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد، وما رافقها من إعادة رسم لخريطة التحالفات الإقليمية والدولية.

وبحسب وزارة الخارجية السورية، يضم الوفد مسؤولين في الاستخبارات العامة، في مؤشر على أن المباحثات المرتقبة لا تقتصر على الجوانب الدبلوماسية، بل تمتد إلى ملفات أمنية وعسكرية ذات طابع استراتيجي. ورغم غياب تفاصيل رسمية حول جدول الأعمال أو مدة الزيارة، إلا أن توقيتها بحد ذاته يشي بمحاولة متبادلة لاختبار إمكانات إعادة ضبط العلاقة بين البلدين على أسس مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقدين الماضيين.

ولطالما شكّلت موسكو الداعم الأبرز لنظام بشار الأسد، سياسيا وعسكريا، منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، وهو ما جعل العلاقات مع الحكومة السورية الجديدة تمرّ بمرحلة من الفتور والحذر، خصوصا بعد منح روسيا اللجوء الإنساني للرئيس المخلوع، غير أن التحول في بنية السلطة بدمشق واعتمادها خطابا أكثر انفتاحاً على المجتمع الدولي، فتح الباب أمام مقاربة جديدة للعلاقة مع الكرملين، تقوم على المصالح المتبادلة لا على الارتباطات الشخصية أو الأيديولوجية.

وتأتي زيارة الوفد الحالي امتدادا لمسار بدأ يتبلور خلال الأشهر الماضية، تمثّل في سلسلة من الاتصالات والزيارات المتبادلة، كان أبرزها زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو في 15 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهي أول زيارة لرئيس سوري إلى روسيا منذ توليه المنصب عقب سقوط النظام السابق. وقد حملت تلك الزيارة دلالات رمزية وسياسية، إذ عكست استعداد الطرفين لفتح صفحة جديدة، مع إدراك حجم الإرث الثقيل الذي خلّفته سنوات التحالف مع الأسد.

وبالنسبة لموسكو تبدو إعادة التواصل مع دمشق الجديدة محاولة للحفاظ على موطئ قدم في سوريا، في ظل تحولات داخلية وإقليمية لا تخفى، خاصة مع تنامي أدوار قوى دولية وإقليمية أخرى في الملف السوري. أما دمشق، فتسعى على الأرجح إلى إدارة علاقاتها مع روسيا بواقعية سياسية، توازن بين الحاجة إلى إعادة الإعمار وترتيب الملفات الأمنية، والانفتاح على شركاء دوليين متعددي الاتجاهات.

وتكتسب هذه الزيارة أهمية إضافية في ضوء الحدث المفصلي الذي شهده البلد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، عندما دخلت قوى الثورة السورية العاصمة دمشق، معلنة نهاية حكم امتد من عام 2000 بقيادة بشار الأسد، وسبقه حكم والده حافظ الأسد منذ عام 1970. وهذا التحول التاريخي أعاد صياغة أولويات السياسة الخارجية السورية، وفرض على الشركاء التقليديين، وفي مقدمتهم روسيا، إعادة تقييم مقاربتهم تجاه سوريا الجديدة.

وبينما تظل نتائج زيارة الوفد السوري إلى موسكو رهن ما ستسفر عنه المباحثات، فإنها تعكس، في جوهرها، محاولة متبادلة لإعادة تعريف العلاقة، في لحظة انتقالية تختبر قدرة الطرفين على تجاوز الماضي وبناء تعاون يقوم على المصالح المشتركة لا على إرث النظام المخلوع.