وقت مهدور وصورة مشوّهة في 'سوق' عروض الأفلام المبكرة بالمغرب

العروض ما قبل الأولى تعاني من فوضى تنظيمية أبرزها الاستهتار بالمواعيد، إرباك الصحافيين، وسوء معاملة الجمهور، مما يضعف الثقة في الفعل السينمائي ويضرب صورته أمام الداخل والخارج.

يطرح موضوع التوقيت المهني في العروض لما قبل الأولى إشكالاً حاداً داخل الوسط السينمائي المغربي، فيتحول كل موعد معلن إلى مجرد صور والبحث عن البوز والقصة حبر على ورق، إذ يعلن المنظمون مثلاً أن العرض سينطلق في السابعة مساءً، غير أن الحضور الفعلي لطاقم الفيلم لا يكون الا بعد الثامنة، في مشهد يعكس استهتاراً بالزمن وبالمهنية معاً، ويترسخ بذلك انطباع لدى الحاضرين بأن الأمر لا يخضع لأي التزام، وكأن العلاقة بين المبدع والجمهور علاقة عشوائية بلا احترام.

ويتجاهل العديد من المنظمين أن تأخير العرض عن موعده هو رسالة سلبية للجمهور مفادها أنه في مرتبة ثانوية، حينما ينتظر الحاضرون في القاعات ساعات طويلة، فتتبدد حماستهم ويصيبهم الإحباط. ويؤدي هذا إلى إضعاف الثقة في قيمة الفعل السينمائي، لأن الفن الذي لا يقدّر جمهوره يفقد جزءاً كبيراً من روحه، فالسينما بدون جمهور تظل فناً عقيماً، مهما بلغت جمالية الصورة أو قوة الموضوع.

ويهمل المنظمون أيضاً احترام مواعيد التصريحات الصحفية، وهو ما يُربك عمل الصحافيين الذين جاؤوا لتغطية الحدث ونقل صورته إلى الرأي العام، إذ ينتظر الصحفي ساعات حتى ينال تصريحاً مقتضباً، وكأن حضوره غير أساسي في المعادلة، ويُظهر هذا الموقف استخفافاً بجهود الإعلام، مع أن الفن بدون صحافة هو جثة هامدة لا أثر لها، إذ تظل الأفلام حبيسة الجدران إذا لم تُرافقها الكلمة الإعلامية والتحليل النقدي.

ويكرّس بعض المنظمين وضعية فوضوية في توزيع الأماكن، فلا يُحترم الفصل بين فضاءات المهنيين والجمهور، حينما تختلط المقاعد وتضيع الحدود، في مشهد يعبر عن غياب أبسط شروط التنظيم، إذ يخرج الحضور بانطباع أن ما جرى لا يختلف عن "سوق بيع الخرذة"، حين تغيب الضوابط وتطغى العشوائية، بينما يؤدي ذلك إلى إفراغ اللحظة من رمزيتها، فيعود العرض مجرد تجمع عابر بلا قيمة مضافة.

ويُفاقم الوضع أيضاً تصرف رجال الأمن الخاص، الذين يُفترض أن تكون مهمتهم تنظيمية وخدمية لضمان راحة الحاضرين، فيتحول هؤلاء في كثير من الأحيان إلى عنصر إزعاج بدل أن يكونوا أداة لتيسير الدخول والخروج، ويتعامل بعضهم بغلظة وجهل، وكأنهم يملكون سلطة مطلقة، فلا يحترمون الصحافيين ولا المهنيين ولا حتى الجمهور، فيصرخون بلا مبرر، ويمارسون سلطويتهم على أشخاص دُعوا لحضور عرض فني وليس لمباراة شغب. ويكشف هذا السلوك عن ضعف تكوينهم، وغياب أي دراية بآداب التعامل في الفضاءات الثقافية، بينما وجودحراس أغبياء بهذا الشكل يُسيء إلى صورة العرض أكثر مما يحميها، لأنه يُشعر الضيوف بأنهم غير مرغوب فيهم، ويحوّل الأمسية إلى تجربة منفّرة. ويُفترض أن يُعاد النظر في اختيار عناصر الأمن الخاص، بحيث يكونوا مدرَّبين على التواصل واللباقة، وليس أشخاص يُستخدمون كجدار صلب بين القاعة والجمهور.

ويُحتم هذا الواقع على صناع السينما المغربية أن يضعوا النقاط على الحروف، وأن يعوا أن احترام التوقيت شرط أساسي لبناء علاقة ثقة مع الجمهور والإعلام معاً. ويفرض الواجب المهني على هؤلاء الالتزام بالمواعيد، وضبط التنظيم بدقة، وضمان انسيابية العروض. ولا يمكن للسينما المغربية أن تتطور وتكتسب مصداقية دولية إذا استمرت في ممارسة هذا النوع من الاستخفاف.

ويؤكد المشهد المتكرر في قاعات مثل ميغاراما بالدار البيضاء أن الخلل بنيوي وليس حادث عرضي، بينما يتأخر العرض، ويغيب التنظيم، ويُترك الجمهور والصحافة في مواجهة فوضى كاملة، ويساهم هذا في تآكل صورة السينما الوطنية أمام جمهورها الداخلي أولاً، قبل العالم الخارجي، ويُفترض أن يكون لهذه العروض دور في إبراز القيمة الفنية والإنتاجية للفيلم، لكنها تتحول للأسف إلى فضاء لإبراز العجز عن احترام أبسط القواعد المهنية.

ويعقد الأزمة أكثر تفشي ثقافة البوز والصور التي باتت تسيطر على هذه العروض، فلم يعد الكثيرون يأتون لمشاهدة الفيلم كعمل سينمائي له قيمته، وإنما فقط لالتقاط الصور ونشرها على منصات التواصل الاجتماعي، فيتحول العرض إلى فضاء استعراضي فارغ، حينما تُرفع الهواتف أكثر مما تُرفع العيون نحو الشاشة. تُستغل السجادة الحمراء كخلفية لصور استهلاكية، بدل أن تكون مدخلاً لحدث سينمائي يخلّد الفيلم، وتُصبح الأولوية لصورة النجوم وملابسهم، لا لمضمون العمل ولا لمناقشته.

وهذا الانزلاق نحو الفرجة السطحية يُحوّل العروض لما قبل الأولى من محطة لتثمين الإنتاج السينمائي إلى مسرح لعرض الأنا الفردية والتسابق نحو الشهرة اللحظية، فيقتل روح السينما الحقيقية التي تقوم على التفاعل مع القصة، والشخصيات، والصورة، والرسالة.