يريدون عودة الانتداب الفرنسي

ماذا لو خلع العرب القناع بشكل كامل وظهروا على حقيقتهم، ماذا سيخرج منهم؟ أجزم أنه سيكون فوق الخيال والقدرة على التنبؤ. أنظروا ماذا يقول اللبنانيون.


العربي يكره الحاكم لكنه يقف عند حدود الوعي ويلتزم الصمت


الشعب اللبناني يتجاوز الخوف والحذر فهو يقول ما لديه ويغامر


نعيش في مجتمعات تعتمد على القناع، فكيف نعرف ما في نفوس الناس؟

ليس غريبا ان يطالب بعض اللبنانيين بعودة الانتداب الفرنسي على بلدهم فهم شعب صريح وسريع البديهة وبارع في التعبير عن نفسه، وأظن هذه الرغبة موجودة لدى غالبية العرب الفقراء، ولكنهم لا يستطيعون الجهر بهذه الرغبة، نظرا لأن البوح بمثل هذا التوجه يعتبر خيانة يترتب عليها عقوبة قانونية واجتماعية، ولكنني أجزم أن هذه الرغبة موجودة لدى كل الفقراء والمظلومين والمهمشين في بلاد العرب، ولو قيض لهم أن يهاجروا لهاجروا دون وداع.

معروف عن العرب أنهم يعتمدون على القناع الاجتماعي، وهو آخر مستوى من الشخصية بعد اللاوعي والوعي، وهو الجزء الذي أضافه العالم كارل يونغ الى تصنيف فرويد لمستويات الشخصية. إذ اعتبر فرويد أن الانسان يعيش بوعيه ويضبط سلوكه حسب ما هو مقبول اجتماعيا وقانونيا، ثم جاء يونغ ليقول أن هناك بعدا مهما في الشخصية وهو القناع، أي تزييف الواقع والحقيقة، أي أن الانسان يلتزم بالقوانين والأعراف وكل السلوكات المقبولة في المجتمع، لكنه حين يشعر أنه غير مقتنع بالواقع، فإنه يرتدي القناع كي لا يعاقبه الناس، إذن فعلا هو مستوى جديد من الشخصية وهذا ما نلاحظه يوميا.

فالعربي يكره الحاكم لكنه يقف عند حدود الوعي ولا يصرح بذلك، وهو يرغب بالحب والعلاقات العاطفية خارج الزواج لأن الزواج مشروع خطير قد يجلب للإنسان التعاسة طوال العمر، لكنه لا يصرح بذلك كي لا يعاقب، ويرغب بالتصريح لأقاربه أنه يكرههم ولا يريد التواصل معهم، لكنه يقف عند الوعي ولا يصرح خوفا من العقاب الاجتماعي، وعندما يجد الانسان نفسه مقيدا بكل القيود التي يكرهها، فإنه يلجأ الى ارتداء القناع، وينزل الى خندق خفي يمارس فيه جميع الأشياء المرغوبة ولكنها ممنوعة. وهنا تكمن الخطورة، حيث أن التوجه الفردي قد يصبح توجها مجتمعيا كاملا، فتضيع بوصلة الفرد، ولا يعرف كيف يفكر الناس وهل القوانين والأعراف المثبتة قانونيا واجتماعيا صحيحة أم أنها ليست قائمة على أساس، ولكن الناس يتبعونها خوفا من العقاب الاجتماعي والنفسي والإقصاء، فيعمد الناس الى ارتداء القناع، فلا يعود أحد يعرف ما يدور داخل الفرد وتنعدم الثقة ويسود الحذر وتكثر الجرائم، لأن الناس يفعلون كل شيء خلف القناع بالسر.

ما يميز الشعب اللبناني هو أنه تجاوز الخوف والحذر، فهو يقول ما لديه ويغامر ويخرج في مظاهرات ويهتف ضد جميع أفراد السلطة ويفضح الفساد والفاسدين بالاسم، وقلما تجد فردا يرتدي القناع دائما مثل باقي العرب، وحتى في الأمور الشخصية، فهم لا يخافون أن يقولوا ما لديهم والتحدث عن علاقاتهم غير المشروعة، بل أن هناك الكثير من الممارسات غير المقبولة اجتماعيا التي يصرحون بها دون قناع.

من هنا، طالب بعض اللبنانيين بعودة الانتداب الفرنسي دون قناع ولو خلع بؤساء العرب القناع لطالبوا بعودة الاستعمار، نظرا لأنهم يعانون ظروفا مرة تحول بينهم وبين الولاء لبلادهم، وكيف لهم أن يكون لديهم حس انتماء أو ولاء لدول تسرق أعمارهم ثم يموتون بحسرتهم، ولم يحسوا بطعم الحياة؟ هذا ليس معنى الحياة، لا في الأديان ولا الأعراف الاجتماعية، فإذا كان العربي مؤمنا، فهو يؤمن بأن الله خلقه وأنعم عليه بالطيبات لكنه لا يجدها، واذا كان ملحدا، فهو يؤمن بأن من حقه أن يأخذ نصيبه مما تجود به الحياة عليه، وفي الحالتين، فإن العربي يتمنى أن يعود الاستعمار لكي يخلصه من حياة تشبه حالة الاحتضار الطويل. ماذا لو خلع العرب القناع بشكل كامل وظهروا على حقيقتهم، ماذا سيخرج منهم؟ أجزم أنه سيكون فوق الخيال والقدرة على التنبؤ.

يقول الانجليز أن السكران يفلت من الوهم الى الحقيقة، لأنه يقول ما في جوفه بعيدا عن وهم القوانين والأديان والأعراف الاجتماعية، فهو يعرف أن غالبية الناس منافقون وفاسدون بل ومجرمون وسوف يقول كل ذلك هو في حالة السكر، لأنه ببساطة نزع القناع الذي يقيه من البوح بمكنونات نفسه دون أن يشعر، لكننا نعيش في مجتمعات تعتمد على القناع، فكيف نعرف ما في نفوس الناس؟

إن مطالبة بعض اللبنانيين بعودة الاستعمار رغبة موجودة لدى فئة كبيرة في المجتمع العربي، وهؤلاء هم الذين ضجروا من كذبة الاستقلال والولاء والانتماء للأوطان.