10 دقائق مع الذكاء الاصطناعي قد تخلّف الغباء العقلي!
باريس – يواجه العالم الرقمي تحذيرا علميا جديدا يدق ناقوس الخطر حول التبعات الإدراكية للاعتماد المفرط على التكنولوجيا؛ حيث أظهرت دراسة حديثة أن استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ولو لمدة لا تتجاوز عشر دقائق، كفيل بإحداث تدهور ملحوظ ومفاجئ في قدرة البشر على التفكير وحل المشكلات، وتحويلهم تدريجياً إلى أشخاص "أكثر كسلاً وأقل ذكاءً".
وجاءت هذه الخلاصات الصادمة في تقرير أعده الصحفي المتخصص ويل نايت ونُشر في السادس من مايو/اذار 2026، مستندا إلى بحث مشترك أشرف عليه نخبة من علماء النفس والكمبيوتر في أربع من أبرز الجامعات العالمية: معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وجامعة كارنيجي ميلون، وجامعة أكسفورد، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA).
واعتمدت الدراسة في منهجيتها على منصة رقمية مدفوعة الأجر، حيث طُلب من مئات المشاركين المقسمين على ثلاث تجارب مستقلة حل سلسلة من المعضلات الذهنية المتنوعة، تراوحت بين مسائل حسابية بسيطة للكسور واختبارات معقدة في الاستيعاب القرائي. ومُنحت مجموعة من المشاركين ميزة الاستعانة بمساعد ذكاء اصطناعي يتولى حل المهام ذاتياً بالكامل.
لكن المفاجأة الكبرى تجلت عندما سحب الباحثون هذا المساعد الرقمي فجأة؛ إذ تبين أن الأشخاص الذين اعتمدوا عليه أظهروا ميلا متزايدا وبنسبة كبيرة للاستسلام السريع عند مواجهة أي صعوبة، كما تراجعت جودة إجاباتهم بشكل حاد لتشوبها أخطاء فادحة. وتكشف هذه النتيجة عن معضلة بنيوية مقلقة: فالذكاء الاصطناعي، رغم قدرته المشهودة على رفع الإنتاجية اللحظية، يلتهم في المقابل مهارات التفكير التأسيسية لدى البشر.
ميل متزايد وبنسبة كبيرة للاستسلام السريع عند مواجهة أي صعوبة
وفي لقاء أجراه نايت في حرم معهد "إم آي تي"، أوضح البروفيسور المساعد المشارك في الدراسة، الهولندي ميشيل باكر، أن الهدف ليس الدعوة إلى حظر الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل أو التعليم، مؤكداً أن تقديم الدعم الآلي الفوري أمر ذو قيمة عملية عالية، لكن الأزمة تكمن في غياب الرقابة على "نوعية" هذه المساعدة وتوقيتها.
باكر، الباحث السابق في مختبر "غوغل ديب مايند" بلندن، استلهم فكرة البحث من مقال فلسفي شهير يستشرف تجريد البشر من قدراتهم وهيمنتهم بمرور الوقت لصالح الآلة. ورغم النبرة القاتمة التي تهيمن على هذا الطرح الذي يرى حتمية هذا التراجع البشري، إلا أن باكر يؤمن بأن الحل يكمن في إعادة توجيه نماذج الذكاء الاصطناعي لتتوافق مع القيم الإنسانية عبر جعلها أدوات لتطوير العقل البشري لا تعطليه.
ويرى الباحثون أن النتائج تثير قلقا بالغا من الناحية المعرفية؛ فالمثابرة والإصرار على مواجهة التحديات الذهنية هما الركيزتان الأساسيتان لاكتساب أي مهارة جديدة، والمؤشر الحقيقي لقدرة الإنسان على التعلم مستقبلا.
ومن هنا، يقترح باكر إعادة هندسة أدوات الذكاء الاصطناعي لتتبنى نهج "المعلم البشري الصارم"؛ بحيث تمتنع النماذج أحيانا عن تقديم الإجابات الجاهزة، وتمنح الأولوية لتحفيز المستخدم ومساعدته على الفهم، عبر آليات التدريب والدعم التدريجي والتحدي المعرفي، رغم ما قد يحيط بهذا التوجه "التوجيهي الأبوي" من تعقيدات تسويقية وتقنية.
على صعيد قطاع التكنولوجيا، تبدو الشركات الكبرى واعية بهذه التأثيرات الجانبية؛ إذ سعت شركة "أوبن إيه آي" (OpenAI) في الإصدارات الأخيرة من نموذجها "جي بي تي" (GPT) إلى الحد من ظاهرة "المداهنة الرقمية"، وهي ميل النماذج لمجاراة المستخدمين وموافقتهم الرأي بشكل مفرط ومبتذل.
وتتضاعف هذه المخاطر مع اندفاع قطاع البرمجيات نحو "الأنظمة الوكيلة" (Agentic AI) التي تنفذ مهاماً معقدة ومستقلة تماما، مما يجعل تصرفاتها غير متوقعة وقابلة لإنتاج أخطاء برمجية غريبة. ويثير هذا التحول تساؤلات حرجة حول مدى تآكل مهارات المبرمجين الذين يعتمدون حالياً على أدوات مثل "كلود كود" (Claude Code) و"كودكس" (Codex)، ليجدوا أنفسهم مضطرين لاحقاً لإصلاح أخطاء صنعتها الآلة التي وثقوا بها.
وفي تجربة شخصية سردها كاتب التقرير ويل نايت، أكد أنه اختبر بنفسه خطورة تفويض التفكير النقدي للآلة؛ فبينما كان يعتمد يومياً على أداة "أوبن كلاو" (OpenClaw) لإدارة نظام "لينكس"، واجه مشكلة في تكرار انقطاع شبكة الواي فاي. وحينها، اقترح عليه المساعد الرقمي حزمة أوامر برمجية لتعديل ملفات التعريف، وكانت النتيجة الكارثية أن توقف حاسوبه عن العمل تماماً ورفض الإقلاع.
وخلص نايت في نهاية تقريره إلى فكرة جوهرية؛ فلو أن الذكاء الاصطناعي توقف حينها ليعلمه كيف يحل المشكلة بنفسه بدلاً من أن ينوب عنه في حلها، لكان قد انتهى به المطاف اليوم بحاسوب يعمل بشكل طبيعي، وعقل بشري أكثر ذكاءً وقدرة على المواجهة.