6 سنوات على انتفاضة 25 تشرين: إرادة الشباب العراقي بين الأمل والمعاناة المستمرة
طلّت علينا قبل أيام ذكرى مرور ستّ سنوات على انطلاق انتفاضة 25 تشرين الأول/أكتوبر 2019 في العراق، تلك الانتفاضة التي شكّلت منعطفًا مهمًا في تاريخ الشعب العراقي الحديث، وأطلقت شرارة مطالب جماعية واسعة تجاوزت أيّ حسابات سياسية ضيّقة. خرج آلاف الشباب العراقي إلى الشوارع في بغداد ومدن الجنوب والشمال، حاملين شعارات الحرية والعدالة والمحاسبة، مطالبين بحقوقهم الأساسية في حياة كريمة، وفرص عمل، وخدمات عامة عادلة، ونظام سياسي يعكس إرادة الشعب.
لكن تلك المطالب لم تمرّ بلا ثمن؛ فقد تعرّض العديد من شبّان الانتفاضة لملاحقات سياسية وقمع أمني منذ الأيام الأولى وحتى اليوم، مع استمرار الاعتقالات والملاحقات القانونية والاجتماعية ضدّهم، ما جعل من الدفاع عن الحقوق تحدّيًا يوميًا.
تميّزت الانتفاضة بشموليتها؛ إذ كان الشباب من مختلف الفئات العمرية والخلفيات الاجتماعية جزءًا أساسيًا من الحركة. لم يقتصر حضورهم على رفع الشعارات فحسب، بل كانوا قوة التغيير الفعلية، يقودون التحركات الشعبية وينسّقون الاعتصامات والمظاهرات متحدّين العنف والقمع الأمني. امتلأت الشوارع بالهتافات والأمل، وأصبحت ساحات الاحتجاج مسرحًا لتعبير جماعي عن الغضب المشروع من الفساد المستشري، والفشل المتواصل في تلبية احتياجات المواطنين.
كانت شوارع بغداد وبقية المدن العراقية مسرحًا لملايين المتظاهرين من مختلف الطبقات والفئات العمرية، متحدّين التحديات الأمنية والسياسية، حاملين شعارات "نريد وطن" و"الحرية والعدالة ومحاسبة الفاسدين". ورغم العنف والقمع الذي واجهوه، بقيت روح الانتفاضة حيّة في الوعي العراقي، شاهدة على إرادة شعب رفض الانكسار. ومع مرور ستّ سنوات، تبقى ذكرى 25 تشرين رمزًا لشجاعة الشباب العراقي وصمودهم، وتذكيرًا بالأعباء التي يتحمّلها من خرجوا إلى الشوارع طلبًا للحرية والعدالة، وبحاجة العراق المستمرّة إلى إصلاحات حقيقية وشاملة تلبي طموحات شعبه.
لكن الطريق لم يكن سهلًا؛ فقد واجه الشباب الذين خرجوا إلى الشارع منذ اللحظة الأولى ملاحقات أمنية وسياسية شملت الاعتقالات التعسفية والمضايقات القانونية والاجتماعية، وحتى التهديد المباشر لحياتهم. بعضهم فقد حياته خلال التظاهرات، وبعضهم لا يزال يعيش تحت ضغط الملاحقة المستمرة، فيما اضطرّ آخرون إلى الهجرة أو العزلة لحماية أنفسهم. هذه المعاناة المستمرة تُظهر الثمن الباهظ الذي دفعه الشباب العراقي دفاعًا عن حقوقهم المشروعة، وهي شهادة على شجاعة وإصرار جيلٍ رفض الانكسار أمام نظام مأزوم.
وبينما استمرت الأصوات المطالِبة بالتغيير، بقيت الأزمات في العراق تراكمية ومتداخلة. فعلى المستوى السياسي، يشهد العراق صراعات مستمرة بين القوى الحاكمة وتأجيلات متكررة للإصلاحات، ما أدّى إلى فراغ سياسي وإحباط شعبي متزايد. وعلى المستوى الاقتصادي، يعاني المواطنون من البطالة المرتفعة، وتدهور قيمة العملة، وغلاء المعيشة، فيما يظلّ الفقر والحرمان من الخدمات الأساسية واقعًا يوميًا يعيشه الملايين.
أما الخدمات العامة من صحة وتعليم وبنية تحتية، فما زالت في وضع هشّ؛ إذ تعاني المستشفيات من نقص المعدات والأدوية، والمدارس من الاكتظاظ وضعف الموارد التعليمية. هذا الواقع يعكس فشل السلطات في تلبية أبسط احتياجات المواطنين، ويزيد من شعورهم بالظلم والإهمال. كما تبقى الحقوق العامة والحريات المدنية محدودة، مع استمرار القيود على حرية التعبير والتجمع، وتعرّض الناشطين لشبح الملاحقة الدائمة.
ورغم كلّ هذه المعاناة، بقيت ذكرى 25 تشرين مصدر إلهام للشعب العراقي، ورمزًا لشجاعة وإرادة الشباب الذي رفض الانصياع للظروف القاسية. فالانتفاضة لم تكن مجرّد احتجاج مؤقت، بل حركة مجتمع مدني مستمرة تحفر طريقها ببطء نحو التغيير، وتضع الأسس لمستقبل أفضل. إنها تذكير دائم بأن صوت الشعب لا يمكن تجاوزه، وأن المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة ستظلّ حاضرة مهما طالت التحديات.
اليوم، بعد ستّ سنوات، يحتاج العراق أكثر من أيّ وقت مضى إلى إصلاح حقيقي وشامل، يعالج الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويحقّق العدالة للشباب الذين تحمّلوا المخاطر في سبيل مستقبل أفضل. كما يحتاج إلى ضمان بيئة آمنة تسمح للمواطنين بالمطالبة بحقوقهم دون خوف من القمع أو الملاحقة. إن الإرث الذي تركته انتفاضة 25 تشرين ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل دعوة صريحة لمواصلة النضال والمثابرة، وإصرار الشعب العراقي على تغيير واقعه نحو حياة كريمة ومستقبل أكثر إشراقًا.
في الختام، فإن ستّ سنوات على 25 تشرين هي ستّ سنوات من التحدي والمعاناة، لكنها أيضًا ستّ سنوات من الأمل والإصرار. إنها شهادة على أنّ الشباب العراقي، رغم كلّ الصعوبات، ما زال يحتفظ بحلمه في الحرية والعدالة، وأنّ صوته سيظلّ حاضرًا، يطالب بمستقبلٍ يليق بشعبٍ طالما انتظر العدالة والكرامة.