الهويات الثقافية تشكل ماضي وحاضر المجتمعات ومستقبلها

بيئة قاسية

تقوم النصوص السيكولوجية على دراسة وتحليل وظيفيتين، الوظيفة الأولى وهي دراسة ظواهر الوجود الإنساني وعلاقتها بالنفس أي دراسة الهويات الثقافية والفكرية والاجتماعية للوجود البشري وتأثيرها على النفس البشرية بغير معزل عنها.

والوظيفة الثانية للنصوص السيكولوجية تتمثل في دراسة النفس والهوية البشرية بمعزل عن ظواهر الوجود الإنساني.

وتدرس النصوص السيكولوجية الهويات الثقافية والمجتمعية للجماعات لسبب واحد، يتمثل في كونها كانت في يوم ما هويات يتميز بها أفراد معينون، ثم بعد ذلك امتدت هذه الهويات لتشمل الجماعات فالمجتمعات بأكلمها.

فدراسة الهويات الثقافية للمجتمعات تهدف لمعرفة تأثيرها على النفس البشرية، وتحديد آلية تطورها.

ولا تقوم النصوص السيكولوجية بدراسة جميع الظواهر (الهويات)، وإنما -بوجهة نظري- تقتصر على دراسة الهويات التي أصلها ومردها إلى العُقد الثلاثية (الشعور بالوحدة والخوف والخطر) ، فمثلاً، فإن ثقافة اسبارطة كانت ثقافة خشنة قاسية تولي أمور الحروب والقتال أهمية وأولوية، فكان الاسبارطيون يعلمون ابناءهم ومنذ الصغر فنون القتال، ليصبحوا جنوداً وعساكراً عندما يكبرون، وكانوا يعودونهم على تحمل الصعوبات ويغرسون فيهم بذور عدم التسامح مع الاخر مما أدى لظهور ثقافة العنف والحروب.

وفي المقابل فان ثقافة اسبارطة كانت تهمش وتهمل نظريات ودراسات حول العلم والفن والفلسفة التي اشتهرت بها اليونان عامة، واثينا خاصة، كما كانت تنبذ الاخر وتهمشه.

فالثقافة الاسبارطية نشأت من عقدتين محددتين ثلاثيتين يتمثلان في الشعور بالخطر والخوف.

حيث ان شعور الاسبارطيين بالخوف من الأخطار المحدقة بهم أدى إلى ايلاء الاهتمام بتعليم ابناءهم فنون القتال وخطط الحروب والمعارك، مما أدى إلى ظهور ثقافة صارمة.

ومن الامثلة الاخرى نجد الهوية الثقافية والاجتماعية العربية المعروف عنها تشبثها بمبادئ وطباع ثابتة وصارمة.

ولم تنشأ الهوية الثقافية والاجتماعية الثابتة والصارمة للعرب من فراغ.

فالعرب كانوا يعيشون وسط الصحراء في ظروف مناخية وطبيعية واجتماعية قاسية ويشعرون بالخوف على حياتهم، ويخوضون الحروب والنزاعات الدينية والعشائرية والسياسية كما انهم كانوا يحسون بالخطر يحدق بهم مما كون لديهم ثقافة صارمة لا تقبل الآخر بل وتعاديه في أحيان كثيرة.

والهوية الثقافية العربية هوية لا تتغير، ولو كان التغير ملحاً، يكون تغيراً يؤدي للانقسام، فمثلاً، حين وقوع الفتنة بين أتباع معاوية ويزيد وبين أتباع الحسن والحسين على تولي الحكم، لم تقتصر تبعاتها على السياسة فقط، بل بل امتدت الى الدين والمجتمع، فحينذاك، تغيرت الهوية الدينية والإجتماعية لدى أتباع معاوية الذين سموا فيما بعد بالسنة، والهوية الدينية لدى اتباع الحسن والحسين الذي سموا فيما بعد بالشيعة.

وحدث الانقسام السياسي الكبير بين الشيعة والسنة وماتزال آثار تبعاته واضحة إلى يومنا.

كما أنني اعتقد أن الشعور بالخطر والخوف من تغيير ثوابت الدين الإسلامي لعبا دوراً مهما في إبراز الهوية العربية كهوية ثقافية إسلامية، فعندما حاولت العرقيات المختلفة تغيير هويتها الدينية والاجتماعية، والاستقلال بهاتين الهويتين تم تهميشها.

فالهوية الثقافية العربية لم تسمح للهويات الأخرى بالظهور الا بوصفها هويات إسلامية لا كهويات قومية تسعى للاستقلال بنفسها، فان لم تكن هذه الهويات إسلامية، حينئذ سيتم تهميشها.

وأظهرت الامبراطوريات والدول الإسلامية المتعاقبة عند سيادتها على أغلب أجزاء آسيا وأفريقيا كالدولة العباسية أن ثقافتها الإسلامية تقوم على الجمع بين العرقيات المختلفة والمساواة بينهم وذلك لاحتواء كل الهويات الثقافية والعرقيات المخلتفة في قالب واحد.

وأما بالنسبة للجماعات التي تتكون من هويات ثقافية ودينية واجتماعية مختلفة، فبنظري هي جماعات اختلطت ثقافتهم وهوياتهم مع بعضها البعض بسبب الشعور بالخوف والوحدة.

وشعرت هذه الجماعات بالأخطار المحدقة بها، فآثرت الاتحاد بكافة أشكاله (السياسي/ العسكري/ الاقتصادي) من أجل حماية بعضها البعض وتأمين حاجياتها المختلفة من السلع والخدمات، مما أدى إلى اختلاط الهويات الاجتماعية والثقافية.

وتحمي هذه الجماعات بعضها البعض وتؤمن كافة الاحتياجات الاساسية عبر الاستفادة من نظام مقايضة السلع، إذ قد يوجد لدى جماعة معينة سلعة لا تتواجد عند الجماعة الأخرى، وقد تحمي جماعة معينة جماعة أخرى عسكرياً وسياسياً مقابل تقديم امتيازات اقتصادية وتجارية لها

وإنني اعتقد ان أهمية إبراز الهوية الثقافية للمجتمعات تتمثل في القدرة على التمييز بين المجتمعات الأخرى.

وأما بالنسبة للوظيفة الثانية للسيكولوجيا، فهي دراسة النفس البشرية بمعزل عن الظواهر التي تتعلق بالوجود البشري، كالمجتمع والاقتصاد والأخلاق، أي دراسة مما تتكون عناصر النفس البشرية ودراسة علاقة هذه العناصر ببعضها البعض من دون الأخذ بتأثير ظواهر الوجود البشري المختلفة في تكوين النفس البشرية.

فالنفس الإنسانية تتكون من الأنا والهو والأنا العليا، ويتم دراسة هذه العناصر بمعزل عن الظواهر التي تتعلق بالوجود البشري كالسياسية والاقتصاد، وذلك لإن هذه العناصر لا تولد من ظروف اقتصادية وسياسية واجتماعية، وإنما هي توجد بوجود الكائن الإنساني، ولكن تؤثر هذه الظروف البشرية على هذه العناصر، فحينما تؤثر الظواهر البشرية على هذه العناصر السيكولوجية يصبح دراسة هذه العناصر دراسة للوظيفة الأولى من وظائف مهام النصوص السيكولوجية الأ وهي وظيفة دراسة الوجود البشري بظواهره المختلفة وتأثيره على النفس البشرية والهويات المجتمعية والثقافية للشعوب والجماعات.

المفاهيم السيكولوجية

وتعد المفاهيم السيكولوجية تعريفات/ مضامين معينة للظواهر السيكولوجية برأيي، أي تعريف للهوية السيكولوجية للفرد مختزلاً هذا التعريف في مصطلح محدد، ولتعريف تأثير الهويات الثقافية والدينية والفكرية للمجتمعات على سيكولوجيا الفرد وهويته السيكولوجية مختزلاً في مصطلح محدد، أي أن المفاهيم السيكولوجية بالأساس هي تعريف وظيفتي النصوص السيكولوجية واختزال هذه التعريفات الطويلة في مصطلح، فالمفاهيم السيكولوجية تقوم على تعريف الهوية السيكولوجية للفرد ومكوناتها عبر اختزالها في مصطلح معين، وهذا اختزال لمعنى الوظيفة الأولى، وكذلك فإن المفاهيم السيكولوجية مضامين وتعريفات لتأثيرات الهويات الثقافية والدينية والفكرية للمجتمعات على الفرد عبر اختزالها في مصطلح معين، وهذا اختزال لمفهوم الوظيفة الأولى.

فمثلاً، فإن مفهوم (العقدة الجنسية للأبناء تجاه آبائهم في الصغر) قد أُختزل في مصطلح الأ وهو (عقدة أوديب)، وهذا الاختزال هو لمصطلح يُعرف جزء من الهوية السيكولوجية الاجتماعية للفرد، أما كمصطلح يختزل تأثيرات الهويات الثقافية والدينية والفكرية للمجتمعات فهو كمصطلح (النرجسية) وهو مفهوم يعني (الغرور في التعامل مع الآخرين) لذا، فإن قضية المفاهيم السيكولوجية تعد قضية دال ومدلول، أي قضية مدلولات لغوية.

وبالتالي فان الدول التي ينتشر فيها الفقر والضرائب والقمع السياسي للآراء وانخفاض وتدهور مستوى الخدمات الاجتماعية والصحية فانها تعتبر بيئة خصبة لنمو الإرهاب وظهور العنف بنوعيه الشكلي واللا-شكلي.