المسرحيات القصيرة .. التساؤل والاتهام
يظل المخرج والممثل المسرحي أكثر وعيا وإدراكا بآليات وتقنيات العمل المسرحي سواء على مستوى التأليف أو التمثيل أو الإخراج، خاصة إذا كان أيضا دارسا ومتخصصا في علوم المسرح، حيث ينطلق في حديثه من تجربة يمارسها، وهو الأمر الذي انعكس على الجلسة الثانية من جلسات الملتقى الفكري "المسرحيات القصيرة بين النص والعرض" في إطار فعاليات الدورة السابعة من مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة"، والذي ناقش طول وقصر المسرحية وتأثير ذلك على موضوعاتها أو ما تتناوله من قصص وثيمات، وهل يمكن القول إن طول النص المسرحي أو قصره يفرض طريقة إخراجه؟
وقد شارك في هذه الجلسة التي أدارها المخرج والممثل المسرحي الإماراتي محمد يوسف كل من المخرج والممثل الأردني محمد بني هاني، المخرج المسرحي المغربي خالد الجنبي، والفنان والمخرج الكوميدي الفرنسي المغربي هشام شكيب، والمخرج والممثل المسرحي المغربي نوفل العزارة.
بدأ نوفل العزارة حديثه مؤكدا أنه على يقين يقترب من التمامية بأن العروض المسرحية القصيرة مستوردة ومستعارة، لا خبرة للمسرح العربي فيها، إلا فيما قل وندر. حتى وإن سلمنا بفرضية القليل النادر فإن جذور تجربة العروض المسرحية القصيرة تبقى أوروبية غربية. للثقافة العربية الإسلامية معها فروق في الرمز وإنتاج العلامة وأنظمتها العلائقية التي يقدر على تحديدها وفهمها ذهن دون آخر.
المخرج المسرحي يستطيع ببساطة معرفة النص الدرامي القصير من مجرد النظر إلى قلة الصفحات التي يتشكل منها ومن خلالها، لكن لا يمكن لنا الجزم بأن هذا هو المعيار الحقيقي الذي يمكنه من تصنيف به هذا النوع من النصوص
وطرح العزارة تساؤلات اتهم فيها مسرح العروض القصيرة، قائلا: ما هي الكيفية الملائمة التي يمكن من خلالها معاينة التحول الزمني في العرض المسرحي؟ سواء أكانت المعاينة تقوم على المشاهدة والملاحظة أو المعاينة التي تقوم على المعرفة بالنظر العقلي حيث التحليل والتوليف وطرائق المنهج العقلاني والجدلي؟ ما هي المعرفة الجديدة التي أنتجتها العروض المسرحية القصيرة؟ أين ومتى وكيف برزت ملامح التحولات الزمانية في مدة العرض المسرحي؟ ماذا يعني فكريا هذا التحول؟ كيف نفهمه ونفسره؟ وكيف نقيم آثاره على المجتمع؟ ألا تمثل تجربة العروض المسرحية القصيرة خنقا وإنكارا وقتلا لا إيلاد من بعده للرموز والعلامات والمعاني وأنظمتها العلائقية؟ أم أن نظرية التقليص في مدة العرض جاءت بداعي الانتقاء الذي يحدث انطفاء جزئيا لبعض الرموز والعلامات حتى يصبح المسرح أكثر تكيفا مع ما يريده إنسان اليوم الذي يركز انتباهه ناحية التغيير السريع لكل الأشياء؟ هل أصبح مسرح العروض الطويلة شيئا قديما؟ ماذا ننتظر من مسرح العروض القصيرة؟
ووصل العزارة طرح تساؤلاته مستعرضا تاريخ تطور المسرح قديما وحديثا مؤكدا أن الأسئلة تشكل محاولة تجهير تجربة الزمن في المسرح تجهيرا دقيقا، قصد استخراج بعض المعايير والقواعد التي على أساسها يتم شق النص المسرحي وتقطيع أجزائه إلى أقسام وقسيمات يتراوح زمانها بين الطويل والقصير.
وقال إن المسئولية العظمى ملقاة على المخرج في كل عملية شج أو شق للنص، وهي في الأصل عملية تتسم بالقسوة والعنف، عنف رمزي طبيعي مطلوب بالضرورة كرابط من روابط العلاقة الوجودية بين النص بوصفه فضاء عيش العلامات والرموز والمعاني، والمخرج وهذه الرابطة ذات البعد الطبيعي العنيف يجب أن تبنى على قاعدة من الاحترام وإبداء التقدير، وذلك دون أن يسقط المخرج في الولائية والتبعية العمياء للنص. والمخرج المكلف بتقطيع النص وتجزئة زمانه عليه اتخاذ كل التدابير اللازمة أثناء قيامه بفعل الشق، تجنبا لإلحاق الضرر بحياة الرموز والعلامات وأنظمتها العلائقية، الحذر كل الحذر أن يصيب المخرج بعضها أو يعوق بعضها الآخر، وأن يتسبب في قتلها، فمن شروط التجزئة الزمانية للنص المسرحي توفر الخبرة والمهارة والمعرفة المسرحية والعلم الكافي لدى المخرج، حتى لا يقع تجهير العلامات والرموز النصية بعضها على بعض، والتفرقة العشوائية بين سابقها ولاحقها.
وخلص العزارة إلى أنه لا يجب النظر إلى معايير التجزئة الزمانية في المسرح كونها ضرورة تقنية بل لا بد أن ننظر إليها كونها جوهر الوسائل المسرحية الإبداعية حتى تعيدنا دائما إلى ما هو إنساني في المسرح.
وانطلق هشام شكيب متسائلا: أيمكن القول إن طول النص المسرحي أو قصره يفرض طريقة إخراجه؟ وأضاف "هل يمكننا القول بأن المسرحيات القصيرة تعتبر شكلا من أشكال الدراما تحد من وسائل التعبير، وحجم المواضيع. هذا النوع من الأداء المسرحي يتطور ضد دراما درامية ثقيلة، تعتمد على وفرة الموظفين والمجموعات، وجمهور كبير وأبهة المسرح البرجوازي. يتم توحيد الكتابة من خلال استخدام قواعد بسيطة. وعلى العكس من ذلك يحتل النص المسرحي القصير مكانة مهمة في الأدب حيث إنه نص وعرض في نفس الوقت. يكتب النص ليتم تمثيله، أي مجسدا في كلمة حية "صوت وإلقاء وتمثيل" وترجمته مرئيا، هذه الخصوصية تشير إلى وضع قراءة خاصة. القارئ مدعو لتخيل نفسه كمتفرج لإدراك النص من خلال مختلف الزوايا، لأنه من خلال الإخراج فقط يحصل العمل الدرامي على معنى محدد.
وأضاف إن إخراج النص القصير يفرض مجموعة من الاختيارات الملموسة التي تمثل العديد من التأويلات للنص بمعنى: إعطاء معنى أو ـ بشكل أكثر تحديدا ـ لاختيار معنى المعنى، لإعطاء معنى واحد. وينتج عن التداخل بين النص المسرحي القصير والإخراج فرضية: الكتابة المسرحية تقتحم من جميع النواحي، خلال نشأة النص، بحدوث العناصر المسرحية.
وتواصلت التساؤلات حيث تساءل محمد بني هاني حول المسرحيات القصيرة بين النص والعرض، وهل ما إذا كانت أكثر قابلية للقراءة منها إلى العرض؟ هل تنتمي للأدب المسرحي أم هي أقرب للخشبة وأوثق نسباً بذاكرة الإخراج المسرحي؟ وقال أنحاز لكونها كتابة إخراجية أقرب إلى الـ (story board) "الكتابة الصورية/ الإخراجية"، حيث نجد أن أغلب هذه النصوص اعتمدت اللغة الإخراجية والتفتت إلى أدق التفاصيل محاولة تصور كامل عناصر الفضاء المسرحي الدرامي ومكونات بيئته السمعية والبصرية وما يحتويه من أفعال وإشارات دلالية، راسمة المخطط الحركي بشكل تفصيلي كما في مسرحية "فصل دون كلمات" لصموئيل بيكت مثلا حيث نحن أمام مخطط إخراجي تفصيلي يشرح إيقاع العمل ويحدد شكل الأداء وحركة الممثل وتعابيره دون أن يكون هناك جملة نصية منطوقة واحدة. إذا هي نصوص استبدلت شعر الكلام بشعر الفضاء/ الفعل/ الحدث.
وأضاف بني هاني أن طول أو قصر العرض المسرحي يتحدد بناء على ماذا يريد أن يُرسل المرسل، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الهدف من عملية الأداء هو إيجاد خبرة مكثفة لكل من يشارك فيها وليس مجرد محاكاة لفعل أو حالة شعورية ما، فإن زمن العرض الواقعي مرتبط وبشكل كلي بماذا يريد صناعه طرحه ومشاركته مع الجمهور، تأكيده أو نفيه، وإذا ما اتفقنا أن أي عمل فني ينطلق بداية من سؤال ماذا يريد المرسل أن يقول؟ وهذا ما يتعلق بالطرح/ الموضوع/ الحالة.. فإن السؤال كيف يريد أن يقول؟ والذي يتعلق بالحرفة الإخراجية، الأسلوب، المفردات، الشكل.. فإن طول أو قصر العرض مرتبط ارتباطا كليا بـ ماذا وكيف وما قد يتفرع منهما من أسئلة كأين ومتى ولماذا؟ وإذا ما كان الطرح يحتمل ثرثرة أو إطالة، أو تكثيفا وإختزالا، فبالتالي كل هذه العناصر مجتمعة تحدد الشكل كما المضمون والعمل الفني هو فعل قصدي غير مجاني، وبالتالي يتم تحديد حجم ومساحة وشكل الإرسال وطريقة الاشتغال مع المؤدي كما باقي عناصر العرض.
أما المخرج المسرحي المغربي خالد الجنبي فقال إن السؤال الكبير الذي أود طرحه هو ما هي الرهانات أو على الأقل بعضها في عملية الإخراج المسرحي فيما يخص المسرح القصير؟ ما الذي يفرضه هذا النوع من المسرح في ذهن المخرج المسرحي بالتحديد؟ وما هي الضوابط والآليات التي من خلالها يستطيع صناعة عرض بهذه المواصفات؟ ما الرهانات التي يفرضها بقوة النص الدرامي القصير بالنسبة لعملية الإخراج المسرحي؟ هل يمكن اعتبار هذه العملية هي نفسها بغض النظر عن طول وقصر النص الدرامي؟ ما خصائص هذا النص ارتباطا بما يحمله من مقدمات تمهيدية ومبدئية لدراماتورجيا الركح وللجو العام للعرض المسرحي؟ ما الرهان الذي يشكله المسرح القصير من حيث نوعية الأداء وطريقة التفاعل مع الشخصيات من خلال العلاقة التي تربط الممثل - المؤدي بالمخرج المسرحي؟
وأوضح "بالنسبة للمخرج المسرحي يستطيع ببساطة معرفة النص الدرامي القصير من مجرد النظر إلى قلة الصفحات التي يتشكل منها ومن خلالها، لكن لا يمكن لنا الجزم بأن هذا هو المعيار الحقيقي الذي يمكنه من تصنيف به هذا النوع من النصوص، ذلك أن الأمر يتعدى ذلك، بالرغم من أنه من حيث الشكل يعبر عن السمة الأساسية والظاهرة لهذا النوع من النصوص.
إننا نتساءل الآن عن كيفية معرفة المخرج للنص الدرامي القصير، بغض النظر عن كون هذه المهمة قد لا تنسب لتخصصه أو لمجال اشتغاله، لكنها من وجهة نظرنا تعتبر عاملا مهما في تحديد إطار عام وتصور شامل للتعامل مع هذا النوع من المسرح وليس مع نوعية العمل الدرامي المكتوب، كما أن أهمية النقاش حول المسرح القصير من زاوية رؤية المخرج يكمن في علاقة هذا الأخير بالنص الدرامي المكتوب وبما يمكن أن تشكله هذه العلاقة كمحور رئيسي في تشكيل ملامح شبه واضحة لهذه التجربة، وكي لا نتوه كثيرا يمكن لنا أن نصف بشكل موجز السمات الأساسية للنص الدرامي القصير والتي من خلالها يمكن لنا أن نبني عليها أفكارا أكثر شمولية وانفتاحا، والتي ندرجها كالتالي: وجود وحيد وأوحد لحدث درامي قصير وموجزـ اللغة مركزة، ومكثفة، وسريعة الإيقاع ـ وجود عدد قليل من الشخصيات بشكل نسبي ـ ينتهي النص الدرامي بعد ذروة الأحداث ـ نهاية مفاجأة أحياناً ـ نهاية مفتوحة.