افتتاح يليق بأحوال ومقامات الروح واللون والطبيعة في شرم الشيخ

50 فنانًا من جميع أنحاء أوروبا بجانب فنانين مصريين يفتتحون الدورة الثالثة لبينالي شرم الشيخ الدولي في منتجع إيطالي يطل على خليج العقبة.
المشهد الصباحي يشكل ملعبا مترامي الأطراف يحفه البحر والأشجار والعمارة الشرقية لمباراة فنية أوشكت على الانطلاق
فنانون يتجهون إلى الطبيعة بمفرداتها يلتقطون منها مسارات جديدة عن علاقة النور والعتمة

من مطلع الشمس حتى غروبها، من الشخبطات واللطشات الأولى إلى اكتمال الرؤية أو قرب اكتمالها، شكل 50 فنانًا من جميع أنحاء أوروبا بجانب بعض الفنانين المصريين وسط منتجع إيطالي يطل على خليج العقبة صبيحة الافتتاح الرسمي للدورة الثالثة لبينالى شرم الشيخ الدولى للفنون، حيث انطلقت الريشات لترسم مشهدا فريدا لمدينة تحتفي بالخيال والجمال والفن وتؤكد دائما أنها مدينة للسلام، رفعت الاستاندات، ووضعت المسطحات البيضاء بأحجام مختلفة، وافترشت الألوان مع الريشات مكانها بعد أن تسلم الفنانون ما يحتاجونه منها من إدارة البينالي، وإن كان بعضهم أحضر أدواته وألوانه معه، ليشكل المشهد الصباحي بالنهاية ملعبا مترامي الأطراف يحفه البحر والأشجار والعمارة الشرقية لمباراة فنية أوشكت على الانطلاق.
بدأت الخطوط الفنية تضرب بقوة لمساتها الأولى على مسطحات الرسم البيضاء، وتبادل الفنانون أوروبيون ومصريون الابتسامات في أجواء شتوية دافئة وكأن هذه الابتسامات ترجمة مشترك فني جمالي ينمو في داخلهم جميعا وينتظر أن تتشرب به اللوحات، فيما مدير البينالي الفنان جمال مليكة وفريقه يتابعون طلباتهم من الألوان والمسطحات البيضاء والأقمشة بفرح غامر.
منذ اللطشات الأولى لهذه الصباحية الفنية بدا لافتا توجهات الفنانين الفنية، فهناك من توجه إلى الطبيعة بمفرداتها يلتقط منها مسارات جديدة عن علاقة النور والعتمة ويضفي عليها ما يعامل داخله من تأثر، خاصة أن المنتجع مفتوح على الخليج وقبالته مباشرة تقع جزيرتي تيران وصنافير، وتحتفي أبنيته بالمعمار الشرقي الأندلسي، فيما تحفه أشجار النيل والزهور والخضرة، وهناك بدا أنه يتجه إلى فنون الميديا في خلق أشكال وتكوينات سريعة تنتمي إلى هذه اللحظة المباشرة التي يتسم بها البينالي، وهو رسم مباشر يواجه فيه الفنان نفسه دون فواصل بينه وبين اللوحة والطبيعة.
وهناك فريق آخر من الفنانين يبدو أنهم مخضرمون في تشكيلاتهم الفنية، يرسمون بتؤدة وروية وهدوء يحلقون في فضاءات الحياة بما تحمله من تجليات بعضها مبهج وبعضها مأساوي، وكأن الحياة في لحظات اضطرابها ونشوتها وعنفها وتقلباتها تفتقد هذا الإحساس بالأفق المفتوح لللعالم لكي تعبر عنه.
هنا يلامس البينالي شعاره الأثير، فليس مدينة شرم الشيخ أنشودة للسلام بل الفن الذي يستمد روحه الخلاقة من طبيعتها الساحرة، بدا الفنان العالمي اليزياني جيوزيبي منهمكا بمشاركة الفنانة الشابة صفية يحيي في العمل على لوحة مشتركة تمزج بين الثقافتين المصرية والإيطالية، وغرق الفنان الكبير إبراهيم الطنبولي في تفاصيل عالم متشابك من التراكم الخطي واللوني والتدفق الروحي الكاشف عن أبعاد الحياة المعاصرة، فيما خلع الفنان اكيلي كوادريني ملابسه العلوية فاتحا ذراعيه لبهاء الطبيعة، وتجلت رقة وشفافية الألوان لدى الفنانة الينا سبادا لتعكس ألوان السماء الصافية، وبدا الفنان محمد المسلماني مهموما بتفاصيل عروسه التي تستمد تفاصيلها وألوانها من التراث الشعبي المصري خاصة في قراه ونجوعه. 

ولم تغب التشكيلات المعمارية عن رؤية الفنان بونيتو باولو، وكذلك الفنان كارلو سكومبارين الذي يختلف عن باولو في احتفائه بحضور ألوان الطبيعة سماءها وأشجارها الباسقة الخضراء، وجهزت الفنانة منى الصياد لوحتها حيث درجات الألوان لتشبه قوس قذح بانتظار اكتمال رؤيتها.. وذهبت الفنانة سانتينا ريكوبيرو إلى تضاريس وجغرافيا المكان حيث تطل عمارته وأشجاره على جزء من ساحل خليج يتصل بالبحر الأحمر وعلى مقربة تطل جزيرتي تيران وصنافير شامختين. ومع قرب غروب الشمس حملت الفنانة فالنينيا جاد بالمشاركة مع فنان آخر لوحتهما وجلسا على مقربة من الممر المؤدي إلى البحر لتتمدد اللوحة على ساقيها مستسلمة لريشتين فنيتين في حالة فنية متميزة.  
بعد غروب الشمس لملم الفنانون أدواتهم وألوانهم وذهبوا ليستعدوا للافتتاح الرسمي الذي انطلق في الثامنة بحضورهم وحضور محافظ جنوب سيناء اللواء أركان حرب خالد فوده، الذي افتتح معرضا يضم 40 لوحة من لوحات البينالي في دورتيه السابقتين وحاور الفنانين، وقد شكل حضور هذه اللوحات ثراء بين الفنانين أنفسهم حول الهموم الجمالية والملامح التي جمعت فنانيها، باعتبار أنهم ينظرون إلى هذا البينالي كمغامرة تشكيلية مفتوحة أمام طاقة الفن والخيال والحلم. 
تنوعت الرؤى والأجواء الفنية للوحات المشاركة ما بين التجريد المفتوح على الذات الإنسانية وما يعتمل فيها من أشواق، وبين التجسيد الذي يحتفي بالذات الإنسانية بوضوح الكتلة والتشخيص، كما لعبت بعض اللوحات على رموز وعلامات مباشرة وغير مباشرة على الحضارة المصرية القديمة والتراث الشعبي مما أعطاها مذاقا خاصا.
احتفى محافظ سيناء في كلمته بالفنانين الضيوف أوروبيين ومصريين مشيرا إلى أن المحافظة تتحمل كافة نفقات البينالي، وتمنى أن تكون وزارة الثقافة قد شاركت باعتبار أن البينالي مصري دولي، وقال "ربما المشاغل والمسئوليات حالت دون مشاركة وزارة الثقافة" وأكد قدرة المحافظة على الاعتماد على نفسها وتحقيق إنجازات مهمة عززت تألق المدينة كواحة للسلام والأمن والأمان والجمال، وعدد المؤتمرات التي استضافتها مدينة شرم الشيخ والتي سوف تستضيفها في الفترة القادمة.
ووجه المحافظ الدعوة للمسئولين للمجئ إلى شرم الشيخ ومشاهدة أعمال الفنانيين المشاركين في البينالي وما تتمتع به من رقي وجمال، كما دعا الفنانون المشاركون للتجول مع ريشاتهم ومسطحاتهم البيضاء في كل الأماكن في شرم الشيخ ولقاء وحوار المواطنين والسياح والتعبير عن أحاسيسهم وأحلامهم. 
ومن جهته شكر الفنان جمال مليكة مدير البينالي جهود المحافظ في دعم البينالي، لافتا إلى تخلي وزارة الثقافة عن دعمه على الرغم مما يشكله من أهمية دولية ورسالة إلى العالم أن مصر بلد السلام آمنة.