الجمال الأعزل.. قراءات تأملية في معاني الحياة والحرية في أوروبا

مكتبة الإسكندرية تنظم جلسة لمناقشة كتاب "الجمال الأعزل" بحضور مؤلفه أستاذ علم اللاهوت بالجامعة الكاثوليكية للقلب المقدس بميلانو جوليان كارون.
الكتاب يعكس حوار الكاتب مع المجتمع الذي يعيش فيه
الكتاب يتناول في أجزائه العديد من القضايا المحورية التي يرتبط فيها الدين المسيحي بالثقافة والسياسة والتعليم

نظمت مكتبة الإسكندرية جلسة لمناقشة كتاب "الجمال الأعزل" بحضور مؤلفه أستاذ علم اللاهوت بالجامعة الكاثوليكية للقلب المقدس بميلانو جوليان كارون، مارتا كرتافيا، نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا بإيطاليا، ووائل فاروق أستاذ الأدب العربي بالجامعة الكاثوليكية بميلانو، ود. حسين محمود مترجم الكتاب الصادر عن المكتبة، وذلك بحضور ومشاركة لفيف من الأدباء والمثقفين.
افتتح النقاش د. مصطفى الفقي مدير المكتبة مؤكدًا أن العلاقات بين مصر وإيطاليا متميزة وخاصة ليس فقط لأنهما يشتركان في موقعهما على البحر الأبيض المتوسط، وإنما لأنهما يمتلكان علاقات تاريخية تمتد لآلاف السنين كونهما أصحاب حضارتين عظيمتين الفرعونية والرومانية. وشدد على أن مصر مختلفة عن الدول الأخرى لما لديها من تاريخ حضاري عريق، كما أن بها تنوعا حضاريا وثقافيا ودينيا في ظل تعايش بين الجميع، مشيرًا إلى عمل مكتبة الإسكندرية على إنشاء متحف في قصر خديجة بمنطقة حلوان بالإسكندرية ليكون مجمعًا للأديان التي يشهدها المجتمع المصري، ليكون معبرًا عن التنوع والتسامح في مصر.
وعبر جوليان كارون؛ مؤلف الكتاب، عن سعادته بالتواجد في مكتبة الإسكندرية، مضيفًا "العالم الذي نعيش فيه ملئ بالصراعات والنزاعات التي تفرق بين الإنسان، ولذلك علينا أن نصل إلى فضاء واسع يمكن فيه أن نتعايش مع بعضنا البعض ونتبادل التأثير الحضاري والثقافي". 
واستعرضت مارتا كرتافيا، نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا بإيطاليا، العلاقة بين القانون والحرية وكيف يمكن تحقيق الحرية دون الإخلال بالقانون، مشيرة إلى قصة طفل هندي في كندا حيث إنه من السيخ وكان يلزمه اعتقاده بأن يحمل خنجرًا باستمرار في المدرسة وهو ما كان يشكل خطرًا على الأطفال، حتى حكمت محكمة كندية بأن يخيط الخنجر في معطفه وبذلك احترمت عقيدته وحافظت على القانون في آن واحد. 

كيف يمكن تجديد عالم المال والاقتصاد، وكيف ننظر إلى الهشاشة، من المرض إلى الموت، وإلى الوهن المعنوي، وكيف نسعى إلى العدالة، وكيف نتقاسم مع الفقراء ما معنا ونحن نعلم بحاجتهم؟

وأضافت، إن أكثر ما جذبها إلى الكتاب العلاقة التي تجمع الكاتب مع وائل فاروق، وإيمان الكاتب باحترام الحرية حيث يؤكد على حرية الشخص كعنصر بناء ومميز للحظة التاريخية التي نعيشها الآن، خاصة أننا خلقنا كائنات حرة.
وقال حسين محمود؛ مترجم الكتاب، إن الكتاب لا يعد كتابًا فكريًا أو نظريًا يتعامل بشكل متعالٍ على الواقع، ولكنه ينتمي إلى الواقع ويعكس حوار الكاتب مع المجتمع الذي يعيش فيه، حيث يحاول فيه وضع تساؤلات حول هذا الواقع والوصول إلى تصور فلسفي حوله، مشيرًا إلى أن ما يرصده الكتاب لا يختلف كثيرًا عن الواقع الذي تشهده مصر حاليًا والقضية الكبرى المطروحة وهو التخوف من تغول الخطاب الديني واتجاهه نحو الراديكالية والتطرف.
وأضاف محمود أن الفكرة الثانية التي يطرحها الكتاب هي التجدد المستمر في الدين لكي يكون له حضور في كافة تفاصيل الواقع، وينتقد فكرة أن يكون الدين مجرد مجموعة من الشعائر والأخلاقيات فقط، كما يعرض صورًا من تقبله للآخر على الرغم من الاختلاف في الأفكار والإيديولوجيات وكذلك الأديان.
وتناول الكتاب في أجزائه العديد من القضايا المحورية التي يرتبط فيها الدين المسيحي بالثقافة والسياسة والتعليم. وأكد المؤلف فيما يخص الجزء الخاص بالتعليم على أهمية دور الجامعات في تشجيع الاستخدام الحقيقي للعقل.
وتطرق الكاتب أيضًا إلى قضية تعليم السلطة، وأكد أن السلطة الحقيقية هي تعريف الصداقة، فالصداقة الحقيقية هي الرفقة العميقة في مسيرنا إلى مصيرنا، والأصدقاء هم أولئك الذين يساعدوننا على السير نحو المصير، الذين يعيشون بنضج إيماني أكبر وبتجربة يمكننا من خلالها التوحد معا. 
ويضم الكتاب عدة محاور تتعلق بالتاريخ كفضاء للحوار، ويؤكد على أهمية الحرية في الوصول للحقيقة وإقامة علاقة بناءة مع الواقع، وقدرة الإيمان على الوقوف أمام التحديات الجديدة لواقعنا. وتمثل القضايا المطروحة في الكتاب مساهمة قيمة لأي شخص يبحث عن أسباب كافية للعيش وبناء مساحات من الحرية والتعايش في مجتمع تعددي.
وطرح رئيس جامعة سان داماسو بمدريد خافيير براديس في تمهيده للكتاب ـ "الجمال الأعزل" ـ تساؤلات مهمة: ما الذي يحدث للأوروبيين الآن؟ ماذا يحدث للمسيحيين الأوروبيين على وجه الخصوص؟ وقال: إنني لا أتوقف عن طرح هذه الأسئلة على من صادفني لقاؤهم من رجال الكنيسة والأكاديميين ورجال الثقافة، سواء المؤمنين أو اللا أدريين أو الملحدين. ليس من السهل ترجمة الإجابة بشكل حاسم دقيق، ولكن خارطة الطريق التي يقترحها علينا جوليان كارون في الجزء الأول من كتابه تقودنا في كل "الطرق المتقاطعة" - على حد تعبير مارتن هايدجر – لمجتمعنا.
وأضاف "إن نقطة البداية هي أن نلاحظ ظهور شعور حقيقي بالضيق على سطح المجتمع الغربي، وأن نتساءل عن ماهية المهمة التي أمامنا، والتي فرضتها علينا بإلحاح الأحداث شديدة الإيلام التي ضربتنا. إنها مهمة تفسير هذا الشعور الذي يظهر بأشكال غامضة حينا، وبأشكال ايديولوجية غالبا، أما إذا أردنا أن ننغلق على واقعنا، فلا بد أن يشكل هذا خطورة علينا. وفي رأيي، أن هذا الشعور بالضيق لا يمكننا تفسيره بالاقتصار على العوامل الاقتصادية للأزمة، على اعتبار أن هذه العوامل قد أصبحت في السنوات الأخيرة شديدة الخطورة. لنفكر، على سبيل المثال، في الأزمة الديموجرافية العميقة في أوروبا، مع الانخفاض الكبير في معدلات المواليد، والصعوبات الواضحة في دمج المهاجرين. لقد لاحظ المراقبون المعروفون - من بوكنفورد إلى بيريز دياز - أن هناك خلفية أخلاقية وثقافية في أزمة المشاركة المؤسسية التي نعيش فيها. 

التخوف من تغول الخطاب الديني
أهمية دور الجامعات في تشجيع الاستخدام الحقيقي للعقل

علاوة على ذلك يلزم التعرف على طبيعة الأزمة لكي ننجح في فهمها، رغم أنها في التحليل النهائي ليست إلا عرضا له طابع مستديم لمزيج من الاحتياجات والبراهين التي تشكل الخبرة الأولية المشتركة بين جميع البشر، والتي يكشف التحقق الكامل لها التدين الكامن في تكوين الإنسان.  وحقيقة أن الشباب الأوروبي من الجيلين الثاني والثالث يستسلمون لإغراء الأصولية الإسلامية يجب أن تجعلنا نفكر في الفراغ الفكري الذي يمس مجال الدين أيضا".
ورأى خافيير براديس أن الشعور بالضيق في المجتمع الأوروبي، ولدى المسيحيين الأوروبيين، لا يقتصر على جوانب سطحية، رغم توافرها، فجذوره عميقة. إنها الصعوبة التي يمكننا وصفها، بأنها أزمة "علاقة مع الواقع" وفقا لكلمات ماريا زامبرانو. فيما تتمثل هذه الأزمة؟ هي نوع من فقدان الثقة في تجربة الحياة الخاصة. وهي تتضح في صعوبة في الاعتراف بالواقع وقبوله كما هو، أي محملا بجاذبية تعتبر مظهرا لأساس موجود في كل شيء، ويحيل إليه كل شيء بعيدا عن ذاته نفسها. 
أما إذا تقلص كل شيء إلى مجرد مظهر فسوف تنشب أزمة في العلاقة مع ما هو واقع، فلا ننجح في أن ننحو نحوا يجعل معرفتنا بأنفسنا وبالآخر وبالعالم تحتفظ بطابعها الذي يتسم بالأساس، والأساس هو سر الخير، ذلك الذي يسميه الجميع "الله". والخطر ليس هينا، لأنه يؤثر على الطريقة التي نستخدم بها العقل والحرية، ومن ثم ذكاء الواقع، حتى الوصول إلى أساسه في نهاية المطاف. وحينما يشكك أي مجتمع في العقل والحرية والواقع يجب أن ندق ناقوس الخطر، لأن هذا معناه أن يصبح من المستحيل على المدى المتوسط والطويل - أو على أقل تقدير يصبح من غير المؤكد أو من الهش - العمل وترسيخ أواصر المحبة والتمتع بالطمأنينة وبناء السلام الاجتماعي.  ويؤدي ذلك إلى الضعف الوجودي لما هو إنساني بصفته إنسانيا".
حمل الكتاب زخما تأمليا واسعا طرحته علامات استفهام وقراءات تنويرية لأفكار ورؤى مسيحية إيمانية وتربوية وعملية وثقافية، وقد سار جوليان كارون على خطى الأب لويجي جوساني، وقد أوضح كارون "على الرغم من كل المحاولات الضخمة لتهميش الإنسان، ولتقليل الحاجة إلى عقله بتغيير ما ينتج عن سؤاله، وإلحاح حريته التي لا يمكن أن تتجنب التعبير عن نفسها في كل خطوة على أنها رغبة في الاكتمال"، يستمر قلب الإنسان خفاقا، نابضا بلا توقف. يمكننا أن نفاجئه بامتحانات متنوعة، بل ومربكة في بعض الأحيان، ولكن هذا لا يعني أنها ليست صادقة وأنها ليست مأساوية أحيانا، وهي محاولات يقوم بها الأوروبيون اليوم سعيا للوصول إلى الوفرة التي لا يستطيعون مقاومة الرغبة فيها، والتي تختفي أحيانا تحت أردية متناقضة.  والمثال الذي قد يساعد على فهم طبيعة المشكلة يتمثل في التقليص الذي عاش فيه العقل وعاشت فيه الحرية. كتب أحدهم: الليلة، ذهبت لتناول العشاء مع اثنين من أصدقائي من المدرسة الثانوية وهما الآن مخطوبان ويعيشان معا. بعد العشاء ظللنا نتحدث لفترة طويلة، وبرز السؤال حول إنجاب أطفال من عدمه. وفي لحظة من الحديث وجدته يقول: "لن أنجب طفلاً أبداً. كيف أجرؤ على أن أجني على مسكين آخر بهذا الشقاء؟ أنا لن أتحمل هذه المسؤولية". 
ثم أضاف "إنني أخشى من حريتي، فهي في أحسن الأحوال غير مجدية، وفي أسوأ الأحوال قد تسبب ألما لشخص آخر. ما أنتظره من الحياة هو أن أحاول ارتكاب أقل الأضرار الممكنة". تحدثنا كثيرا، وأخبراني عن الكثير من المخاوف التي يعيشانها وكيف يشعران أنهما الآن لا ينتظران أي شيء من الحياة، وهما اللذان لا يتجاوزان من العمر إلا ستة وعشرين عاما فقط.
ولفت كارون أن ليس هناك سوى الخوف من الحرية وراء رفض إنجاب الأطفال، أو ربما الخوف من فقدان حرية تم تصورها بطريقة مختزلة، وبالتالي الخوف من التخلي عن الذات والمساحات الخاصة. ولكن إلى أي حد تقيد هذه العقدة من المخاوف حياة الشاب المذكور في الرسالة؟ هنا، الحديث عن "القناعات الكبرى" ما هو إلا حديث عن الأسس، أي نقطة الدعم التي تجعل تجربة الحرية ممكنة، بما تحمل من خبرة التحرر من المخاوف، والتي تسمح بالتفكير في الواقع بطريقة لا تخنقنا. 
ويبين الحدث الذي أوردناه أننا إذا "ضللنا" الطريق إلى "أسس العيش" فلا يعني هذا حذف الأسئلة. بل يجعلها أكثر حدة، كما يقول الكاردينال انجيلو سكولا: "ما هو الاختلاف الجنسي، ما هو الحب، ماذا يعني الإنجاب والتربية، لماذا يجب علينا العمل، لماذا يمكن أن يكون المجتمع المدني التعددي أكثر ثراء من المجتمع أحادي التكوين، كيف يمكننا أن نلتقي معا لبناء شراكة فعالة في جميع المجتمعات المسيحية وحياة طيبة في المجتمع المدني؛ كيف يمكن تجديد عالم المال والاقتصاد، وكيف ننظر إلى الهشاشة، من المرض إلى الموت، وإلى الوهن المعنوي، وكيف نسعى إلى العدالة، وكيف نتقاسم مع الفقراء ما معنا ونحن نعلم بحاجتهم؟ يجب إعادة كتابة كل هذا في عصرنا، مع إعادة التفكير فيه، ومن ثم العودة إلى الحياة فيه من جديد". إعادة كتابته وإعادة التفكير فيه ثم عيشه من جديد.